طلب الرزق رغم بندقية الاحتلال في غزة

22 ديسمبر 2018
الصورة
مرطبات تحت قنابل الغاز (محمد الحجار)

على الرغم من الخطر على الحدود الشرقية لقطاع غزة، يصرّ باعة متجولون على طلب الرزق بالترافق مع مسيرات العودة التي ينظمها الفلسطينيون كلّ يوم جمعة.

على الحدود الشرقية لقطاع غزة الفلسطيني المحاصر، ما زالت مسيرات العودة مستمرة كلّ يوم جمعة. تتحول الحدود بأكملها إلى مناطق خطيرة، بسبب قنابل الغاز ورصاص قناصات الاحتلال. لكن، بالقرب من الحدود، عدا عن المنتفضين، هناك باحثون عن الرزق باستخدام عرباتهم الصغيرة وبسطاتهم. هؤلاء أيضاً في خطر إذ يتعرضون للقنابل، ومن بينهم من أصيب، لكنّها لقمة عيشهم التي يلاحقونها مهما كانت الظروف.

يبيع هؤلاء المشروبات الباردة والساخنة والوجبات الخفيفة، لكنّهم في الوقت نفسه يواجهون خطر القنابل الإسرائيلية التي يصل مداها إلى مئات الأمتار. هو موعد أسبوعي لهم، إذ إنهم في بقية الأيام يبحثون عن رزقهم في شوارع مدنهم الممتدة في مواجهة الشريط الحدودي.



في بعض الأحيان يتحول الباعة إلى مسعفين، خصوصاً إذا كان أحدهم بالقرب من مصاب، بينما عربة الإسعاف بعيدة. وهو ما يفعله أحمد السكني "أبو فضل". في المرة الأخيرة، حمل طفلاً في الثانية عشرة أصيب بقنبلة حارقة في وجهه. يقول السكني لـ"العربي الجديد": "ما الذي رماك على المرّ؟ الأمرّ منه. هذا المثل نردده كلّ يوم، ونتنقل بعرباتنا ما بين سوق الشجاعية، والجندي المجهول، وميناء غزة. لكنّ الزبائن يأتون إلى تلك الأماكن من دون أن يكون معهم مال. يلعب الأطفال ولا يشترون. أما على الحدود فيشترون قليلاً من الماء أو العصير أو بعض السندويشات لسدّ جوعهم".




يبيع السكني المسليات والمكسرات، لكنّه عند الحدود يبيع العصير البارد وبعض المشروبات الساخنة، ويتمكن من الحصول على رزق جيد كلّ يوم الجمعة في منطقة دوار ملكة، شرق مدينة غزة. أصيب ابنا السكني، فؤاد (15 عاماً) بطلق ناري متفجر في قدمه اليسرى وبندر (16 عاماً) بقنبلة غاز في رقبته. وعلى الرغم من أنه منع أبناءه جميعاً بعدها من التوجه إلى المسيرات لعدم إصابتهم بمكروه، فإنه يخاطر بنفسه لكسب الرزق وسط القنابل والرصاص.

 

باعة العصائر هم الأكثر حضوراً على الحدود الشرقية، من بينهم بدر الدين عيطة. هو لا يبالي في مرات كثيرة بالدخول إلى أقرب نقطة التحام بين المتظاهرين والاحتلال للبيع، على الرغم من تحذيرات الجميع له. يرى أنه بمثل هذه الطريقة يصل إلى المتظاهرين، وتزداد مبيعاته. ويشير إلى أنّ يوم الجمعة من كلّ أسبوع هو اليوم الوحيد الذي يحصل فيه على رزق جيد. يقول عيطة لـ"العربي الجديد": "يصفني الناس بالمتهوّر في بعض الأوقات، لكنّ أحداً لا يقول إنّ حياتنا هي التي تفرض ذلك، ففي مرات كثيرة أعجز عن توفير حفاضات لطفلتي بسنت، ولا أحد يقف مع المحتاج في هذا الوقت، فالجميع فقير، والكلّ يحتاج إلى من يمدّ إليه يد العون. أتنقل عبر الحدود كلّ يوم جمعة، وأتمكن من تحصيل دخل جيد". لكنّ عمله لا يخلو من مخاطر حقيقية، إذ إنّ عيطة تعرّض أربع مرات لاستنشاق غاز مسيل للدموع، وفقد وعيه في إحداها قبل نحو شهرين مثلما يقول. في كلّ الأحوال، يعود إلى العمل سريعاً بعد استنشاق الغاز، لكن مع آلام في الرأس وغثيان. مع ذلك، يوضح أنه اعتاد هذا الوضع.



من جهته، أصيب البائع أحمد أبو سمرة (19 عاماً) في منطقة أبو صفية شمالي قطاع غزة بالقرب من الحدود الشرقية يوم الجمعة التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بطلق ناري في كتفه اليسرى. لكنّه سرعان ما عاد إلى العمل على الحدود بعد أسبوعين، لأنّه لا يملك مورد رزق آخر يعتاش منه هو وعائلته المؤلفة من سبعة أفراد بمن فيهم والده؛ وهو من الأشخاص ذوي الإعاقة منذ 20 عاماً.




يتنقل أبو سمرة على بسطته ليبيع السندويشات، عبر مناطق كثيرة في شمال قطاع غزة، خصوصاً يوم الجمعة الذي يبيع فيه صباحاً في سوق مشروع بيت لاهيا، وعند العصر على الحدود. يؤكد أنّ البيع على الحدود يعود عليه بالرزق الوفير، لكنّه لم يتوقع أن يتلقى رصاص الاحتلال بينما لا يفعل شيئاً غير طلب الرزق على بسطته. يقول أبو سمرة لـ"العربي الجديد": "لا مكان آمناً في غزة، فمن الممكن أن أكون في السوق ويقع قصف إسرائيلي مفاجئ، ومن الممكن أن أتعرض إلى الأذى في أيّ لحظة. وهكذا، لا بدّ من السعي خلف الرزق، إذ إنّه لا أحد غيري في المنزل يؤمّن مدخولاً للأسرة. أمي باتت تخاف عليَّ أكثر لأنّي تابعت البيع على الحدود، لكننا كأسرة حُرمنا من مساعدات الأونروا (وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين)، وحُرمنا من مبلغ المساعدة من وزارة التنمية الاجتماعية، فلم يبقَ لنا سوى البسطة وإن اضطررت إلى البيع في وجه بنادق الاحتلال".

دلالات

تعليق: