طلاب لبنان خرجوا من جامعاتهم ومدارسهم وانتفضوا

17 نوفمبر 2019
الصورة
اعتصام أمام رئاسة الجامعة اللبنانية (حسين بيضون)


تشهد الانتفاضة اللبنانية، على مشاركة واسعة جداً لفئة الشباب والمراهقين، من الجنسين. معظم هؤلاء من الطلاب والتلاميذ الذين يجتمعون مع المواطنين في مطالبهم، من دون أن ينسوا الشأن الطلابي

كلّما ذكرت الانتفاضات الطلابية والاحتجاجات حول العالم، كانت ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968 هي المرجع الأساس. وبالرغم من مرور أكثر من نصف قرن عليها، فإنّ شعاراتها التحررية والحقوقية تشكل حتى اليوم بوصلة أمام الثوار لا سيما الشباب، في محاولة طرق أبواب المستحيل من أجل التغيير. هكذا كانت الانتفاضات المختلفة في الوطن العربي منذ عام 2011، والتي كان عنصر الشباب، لا سيما الطلاب، عاملاً حاسماً فيها. وها هو لبنان الذي يكمل شهراً من انتفاضة مستمرة منذ السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول، باتت لديه "ثورة الطلاب" الخاصة به، فالانتفاضة ضد الفساد والفاسدين، تمكنت من إبراز دور كبير للطلاب في فرض شروط الإقفال على الجامعات، ودورهم في التجمع في الساحات وقطع الطرقات والاعتصامات أمام المؤسسات. وامتدت العدوى إلى تلاميذ المدارس، لا سيما الثانويين، الذين كشفوا عن وعي مبكر، في التحدث بصوت مرتفع عن مطالبهم التربوية وطموحاتهم التي ترفض تحديدها في إطار ضيق يرتبط بالفساد الحاكم. وبينما حفلت ثورة 1968 بكثير من الشعارات المرتبطة بالتعليم، التي ما زالت حاضرة حتى اليوم، من قبيل "انسوا ما تعلمتم واحلموا" فإنّ طلاب وتلاميذ لبنان صنعوا شعاراتهم أيضاً، التي نزلوا بها إلى الميدان، من قبيل: "اليوم تغيّبنا عن دروسنا كي نعلّمكم درساً".



كسر حواجز

يقول محمد عريبي (23 عاماً) وهو طالب علوم سياسية في الجامعة اللبنانية، إنّه شارك في التحركات المطلبية منذ عام 2015، وانضم إلى أكثر من مجموعة، لكنّه هذه المرة شارك كمستقل ووجد نفسه في مواجهة مع زملاء كثيرين له في الجامعة كانوا أصدقاءه حتى وقت قريب، فبدأوا سريعاً في توجيه الاتهامات له عبر وسائل التواصل الاجتماعي. يشير إلى أنّه شارك منذ اليوم الثاني وكان من بين الأشخاص الذين أطلقت عليهم قوات مكافحة الشغب القنابل المسيلة للدموع أمام السرايا الحكومية في الشارع المؤدي إلى ساحة رياض الصلح، في وسط بيروت. لاحقاً بدأ ينشر آراءه حول "الثورة" عبر حسابه على "تويتر" الذي سرعان ما أجج غضب زملائه في الجامعة ضده لا سيما من القوى المسيطرة هناك، في المجمع الجامعي في الحدث؛ حركة أمل وحزب الله. يقول إنّه خاض كثيراً من المعارك الكلامية معهم من دون أن يصل ذلك إلى الاشتباك البدني. واليوم، بعد مضيّ شهر كامل على الانتفاضة، يؤكد أنّ دوره كطالب يفوق أدوار الجميع، لأنّه يجمع ما بين الأجيال الصغيرة والكبيرة، ويشكل صلة وصل ما بين قضايا التعليم والعمل والبطالة، ويمثل قدرة على تقديم النظرة العلمية إلى الآخرين حول ما يجري على الأرض.




هذه المشاركة، يبدي أستاذ علم الاجتماع التربوي، الدكتور عماد سماحة، في حديثه إلى "العربي الجديد" تقديره لها: "الطلاب هم القيادة الآن، والأساتذة يجب أن يسيروا خلفهم". يتابع أنّ واقع الحركة الطلابية الجامعية، لا سيما في الجامعة اللبنانية (الرسمية الوحيدة، والتي تضم أكثر من 80 ألف طالب)، محكوم بأحزاب السلطة، وهي الأحزاب التي شاركت طوال السنوات السابقة في الحكم الذي ينتفض الناس ضده، والتي تفرض نفسها على الجامعات. يشدد على أنّ الحركة الطلابية ليست وليدة اليوم، بل كانت هناك محطات عديدة في السنوات السابقة، لا سيما في دعم الأساتذة وحقوقهم، وتحسين أوضاع الجامعة اللبنانية والدعوة إلى دعم موازنتها. يشير إلى أنّ الطلاب حالياً كسبوا زخماً إضافياً، خصوصاً بعد تطور أدائهم، وتمكنوا من كسر تلك الهيمنة الحزبية في مجمع الحدث الجامعي، عبر إقامة نشاط شارك فيه عدد كبير منهم دعماً للانتفاضة. يدخل في تحليل هذه الفئة: "هي ظاهرة انسلاخ طلابي عن الانتماءات الحزبية المهيمنة، تتجه بهم إلى الاستقلال، وتمهد لهم الطريق نحو حركة تدعو إلى دولة مدنية قائمة على المساواة والديمقراطية والشفافية". ويشير إلى أنّ أربعة طلاب، على الأقل، يدرسون في الخارج، أخبروه أنّهم قرروا العودة إلى لبنان للمشاركة في الانتفاضة، وعدم الرجوع مجدداً إلى جامعاتهم في الخارج مهما كانت نتيجة ما سيؤول إليه الحراك.

يلفت سماحة، وهو مشارك فعال في الحراك الثوري الشعبي حالياً، وقيادي في الحزب الشيوعي اللبناني، إلى اللقاء الذي جرى بين طلاب الجامعة اللبنانية، وبعض الجامعات الخاصة، الإثنين الماضي، إذ التقت مسيراتهم عند جسر الـ"رينغ" وتجمعت مسيرة كبيرة من جميع الأطراف باتجاه ساحة رياض الصلح، مع ما في ذلك من رمزية كبيرة.



ثانويون ثائرون

كانت لافتة جداً مشاركة تلاميذ المدارس في الحراك. وبعيداً عن تلاميذ المرحلة الأساسية، وما يمكن أن يحكى عنهم في هذا الإطار، من دفع إلى التظاهر وترديد الشعارات، فإنّ تلاميذ المرحلة الثانوية، لا سيما الصف الثانوي الثالث، أبدوا كثيراً من الوعي في مواقفهم وسلوكهم وهتافاتهم، وهم الذين اعتصم عدد كبير منهم أكثر من مرة، أمام مبنى وزارة التربية والتعليم العالي، في الأونيسكو.

تقول فاطمة علي (17 عاماً) وهي تلميذة في الصف الثانوي الثالث، في مدرسة خاصة، لـ"العربي الجديد" إنّ تلاميذ الثانوي معنيون أكثر من غيرهم بالثورة لأنّهم جيل المستقبل والأقرب إلى التخرج: "ما الهدف من الوصول إلى الجامعة ودفع الأموال الباهظة وسداد الديون طوال سنوات، من دون أن نجد عملاً لاحقاً؟ الأفضل أن ندرس في الخارج ونعمل في الخارج، لكنّنا لا نريد ذلك، وهو ما يدفعنا إلى الثورة". تتابع أنّها الوحيدة من صفها التي شاركت في احتجاجات وزارة التربية، ولذلك تعتبر أنّ من حقها أن تتحدث أكثر من غيرها عن مطالب التلاميذ: "يجب أن يكون لدينا تعليم مفيد، يساعدنا ولا يدمرنا، فبسبب النظام القائم انتحر تلاميذ بسبب ضغوط الامتحانات ونتائجها في الأعوام الماضية. المنهج اللبناني لا يسمح لنا أبداً بأوقات فراغ كبيرة تتيح لنا أن نمارس هواياتنا، فأنا مثلاً أحبّ الرسم والغناء لكنّني غير قادرة على القيام بنشاطاتهما، بسبب ضيق الوقت. كذلك، يركز التعليم على الحفظ بدلاً من التحليل وهو خاطئ".

من جهتها، تقول كارلا درويش (17 عاماً) وهي تلميذة في الصف الثانوي الثالث، في مدرسة خاصة أيضاً، لـ"العربي الجديد": "مشاركة التلاميذ في الثورة يمكن أن تحقق التغيير، فنحن المستقبل. الوضع حالياً مأساوي لأهلنا ومن هم في جيلهم، فماذا يتركون لنا غداً. لن نهاجر، ويجب أن نطالب بحقوقنا من أجل بلد أفضل، ومن الضروري أن يشارك جميع التلاميذ في الثورة، خصوصاً أنّ لديهم قوة ونشاطاً وأفكاراً يمكن أن يحققوها لاحقاً، ويمكن أن يستغلوا إبداعهم عندها في تحسين بعض الأمور على المستوى الوطني حتى. ويجب على المدارس أن تتحد في هذا السبيل. صحيح أنّ لدينا دروساً، لكن إن حملنا الشهادة ولم نعمل فما فائدتها"؟ تضيف أنّ مطالبها كتلميذة تتمثل في "اعتناء الدولة بالمدارس الرسمية، سواء التجهيزات أو المناهج، فهي مدارس الوطن ويجب أن ننتسب إليها، خصوصاً أنّه ليس بإمكان جميع الناس تحمل تكاليف المدارس الخاصة، فالعلم من حق الجميع. ولا بدّ من اعتناء الدولة بالجامعة اللبنانية أيضاً وتطوير المناهج فيها".



يولي سماحة جزءاً من اهتمامه بتلاميذ المدارس، لا سيما الثانوي، ويشير بحديثه لـ"العربي الجديد" إلى أنّ مشاركتهم أعطت دفعاً قوياً، لا سيما في أعقاب استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، وتبيّن أنّهم عنصر فعال جداً خصوصاً من هم في الصف الثانوي الثالث. ومن المعروف أنّ هذا الصف هو الذي يسبق الجامعة في لبنان، وهو الذي ينتهي بامتحانات البكالوريا، أو الثانوية العامة، الرسمية، في فروع أربعة، هي: الآداب والإنسانيات، والاجتماع والاقتصاد، والعلوم العامة، وعلوم الحياة. يقول إنّ هؤلاء التلاميذ معنيّون مباشرة بالحراك، كونهم يشهدون على سفر أقاربهم، ففي كلّ بيت لبناني شخص مسافر، وهؤلاء لا يريدون السفر، وهكذا يعبرون بصدق عن طموحات مستقبلية لهم.



يختم سماحة حديثه بالتشديد على أنّ مسألة قيادة الحراك ليست مهمة أبداً، بل المطلوب التنسيق بين المجموعات المختلفة حالياً. يشير إلى أنّ الطلاب والشباب وغيرهم من أصحاب المهن الحرة، معنيّون الآن بتوحيد المطالب وتسويقها وتعديلها وصولاً إلى مطالب تجمع أكبر شريحة تعدّ بعشرات الآلاف ممن سيكونون في المستقبل الكتلة الشعبية المنسجمة التي تحقق جميع المطالب الحقوقية الموحدة التي تعبّر عنهم.