طقوس العراقيين... كورونا يخطف بهجة رمضان

21 مايو 2020
الصورة
وحيد هذا المؤذّن في مسجده (حسين فالح/ فرانس برس)

فيروس كورونا الجديد الذي طاول العالم، نغّص على العراقيّين كما على سواهم من الشعوب المسلمة والعربية فرحة رمضان. فحُرموا من طقوس كثيرة جعلت الاحتفال بهذا الشهر منقوصاً.

طوال شهر رمضان الذي يشارف على نهايته، افقتد الشارع العراقي طقوسه بسبب أزمة كورونا، فيما لم ييقَ سوى أصوات مكبّرات الجوامع وهي تصدح بالقرآن والأدعية التي تبدأ من العصر حتى ما قبل أذان المغرب. بالنسبة إلى العراقيّين فإنّ هذا أكثر أشهر رمضان غرابة من بين التي مرّت عليهم وأكثرها حزناً لعدم تمكّنهم من عاداتهم الشعبية والدينية الموروثة في البلاد.

للمرّة الأولى منذ نحو ثلاثين عاماً، يفقد مضيف الشيخ عبد العظيم الدليمي خصوصيته الرمضانية، التي كانت أحد أهمّ الأسباب التي دعت إلى توسعته لكي يتّسع لما يزيد عن 200 شخص. ومضيف الدليمي لا يخلو من الضيوف، كونه من كبار قبيلته ويسعى إلى جلب المصلحة لها ولمن يطلب منه المساعدة لحلّ مشكلة ما، نظراً إلى حكمته في حلّ النزاعات العشائرية وإلى علاقاته الواسعة مع زعماء القبائل ووجهائها. ويقول الدليمي لـ"العربي الجديد" إنّ "الضيوف يؤنسونني، وقد اعتدت الاستفادة من شهر رمضان لإقامة موائد الإفطار في مضيفي، أدعو إليها أقاربي ومعارفي وأصدقائي وجيراني"، لكنّه يعبّر عن "حزن عميق" هذا العام لعدم تمكّنه من عادته هذه. يضيف أنّ "استمرار تسجيل إصابات بين الناس بفيروس كورونا الجديد يجبرني على الالتزام بالتباعد الاجتماعي وعدم إقامة التجمّعات". ويشير إلى "مفارقة عجيبة. فكوني من وجهاء قبيلتي ولديّ أتباع، كنت أشجّع الناس على إقامة الولائم والإكثار من التواصل وزيارة الآخرين، خصوصاً في شهر رمضان. لكنّني اليوم، وكوني من الوجهاء، صرت أحثّ الناس على القيام بخلاف ذلك، فأتّصل بهم عبر الهاتف وأنصحهم بعدم الاختلاط والامتناع عن إقامة الموائد الرمضانية". ويؤكّد أنّ "أحد أهمّ واجباتي هو الحفاظ على حياة الآخرين وصحتهم، حتى إن كان على حساب طقوسنا وعاداتنا وتقاليدنا".

من جهة أخرى، فإنّ الزينة الرمضانية تضاء ليلاً في داخل أزقة بغداد القديمة، لكنّ سكانها يشكون من افتقادهم حميميّة هذا الشهر. فكثيرون حزينون لعدم تمكّنهم من ممارسة طقس اعتادوا عليه من خلال تناولهم الإفطار في أماكن معيّنة. وتلك الأماكن هي في الأغلب دينية ذات تأثيرات روحانية، من قبيل مقام الخضر المطلّ على نهر دجلة في جانب الكرخ من بغداد، وباحات مساجد قديمة مثل مسجد الشيخ عبد القادر الجيلاني والإمام موسى الكاظم وغيرها.



تقول عادلة موسى التي تسكن منطقة باب الشيخ القريبة من مسجد الشيخ عبد القادر الجيلاني لـ"العربي الجديد" إنّ "سكان الحيّ جميعهم كانوا يحرصون على تناول وجبة الإفطار في باحة مسجد الشيخ عبد القادر. هذا طقس قديم اعتدناه، وفي خلاله تحمل العائلات طعام الإفطار إلى هناك وتتشاركه مع أخرى، فتمتلئ الباحة الواسعة". تضيف أنّ "بيوتنا صغيرة ونسكن في أزقّة ضيقة قديمة، ومسجد الجيلاني ملاذنا دائماً لا سيّما في شهر رمضان، فيفطر مئات الأشخاص من نساء ورجال وأطفال في مكان واحد. إنّه من أهمّ عاداتها الرمضانية الذي ننتظر إحياءها في كلّ عام".

والحال تتكرّر في الأزقّة الضيقة حيث البيوت صغيرة وتسكنها عائلات فقيرة، بالقرب من مساجد الجيلاني والكاظم وأبي حنيفة ومقام الخضر. وتمثّل قدسية هذه الأماكن أهميّة كبيرة بالنسبة إلى السكان الذين يعتقدون بأنّ طقوسهم الرمضانية لا تكتمل من دون حضور مآدب الإفطار هناك. وفي هذا الإطار، يخبر مجاهد الهاشمي "العربي الجديد": "عانيت كثيراً حتى أقنع والدتي المسنّة بعدم حضور مأدبة الإفطار في مقام الخضر بسبب خطر الإصابة بفيروس كورونا الجديد". يضيف أنّ "عائلتي تسكن في شارع حيفا بالقرب من مرقد الخضر منذ أكثر من سبعين عاماً، وقد اعتدنا على هذا الطقس الذي يمارسه سكان منطقتنا".

ومشهد مقاهي بغداد وهي تعجّ بمرتاديها بعد الإفطار حتى موعد السحور، لا سيّما في داخل الأحياء الشعبية، غاب هذا العام بسبب أزمة كورونا. وكان الرجال يتمسّكون بعادتهم تلك، لا سيّما في أحياء قديمة تشتهر مطاعمها ومقاهيها طيلة أيام السنة بالسهر حتى الفجر، من قبيل أحياء الأعظمية والكرادة والكريعات. ويقول مروان العبيدي لـ"العربي الجديد" إنّ "أصدقائي يُقبلون من أحياء مختلفة للسهر في حيّ الأعظمية حيث أقطن"، مشيراً إلى أنّ "مسجد الإمام أبي حنيفة في الأعظمية والذي يُعدّ أحد أشهر مساجد العراق وأكبرها، كثيرون من أحياء أخرى يحرصون على أداء صلاة التراويح فيه ثمّ التجول في محيطه حيث المطاعم والمقاهي والمحال المختلفة التى تزدهي بالأنوار والزينة الرمضانية، ما يجعل أجواء الشهر مثالية". يضيف: "لكنّنا افتقدنا ذلك في شهر رمضان الحالي بسبب كورونا. فأصدقائي لم يقصدوا مقاهي الأعظمية للسهر".

لعبة "المحيبس" الشهيرة التي تميّز رمضان العراق، افتقدها كذلك الرجال هذا العام. وهذه اللعبة التي تفرض وجود فريقَين وتُمارس بعد صلاة التراويح وتمتدّ أحياناً حتى وقت السحور في المقاهي والساحات والحدائق العامة، لطالما نُظّمت مسابقات فيها بين فرق من الأحياء والمحافظات وتوزَّع فيها جوائز، نظراً إلى شدّة تعلّق العراقيين بها. وتعتمد اللعبة على إخفاء المحيبس، وهو الخاتم، في يد أحد أعضاء فريق يتألف من عشرين عضواً أو ثلاثين، فيما ينبغي على الفريق الثاني (الخصم) محاولة اكتشافه وإخراجه من بين 60 يداً مقبوضة. كذلك تُستخدم عبارات معيّنة في خلال اللعب، إلى جانب أدب الجلوس وحسن التعامل مع الخصم، من دون أن ننسى هتافات المشجّعين التي تزيد من حماسة اللاعبين. ويعود تاريخ هذه اللعبة إلى مجلس أحد الخلفاء العباسيين، إذ يُحكى أنّها ظهرت بعد إخفاء أحد جلسائه خاتم الخلافة والبدء بتخمين مكان وجوده، فانتشر الخبر وراق الأمر لكثيرين وراحوا يلعبونها حتى انتشرت في خارج القصر ببغداد.



للأطفال كذلك نصيبهم في الحرمان من الطقس الرمضاني الأقرب إلى قلوبهم، وهو "ماجينا" الذي يشبه "القرقيعان" في الخليج. بالتالي، لم يُسمع في خلال هذا الشهر صياحهم وهم يقرعون طبولاً صغيرة وعلب بلاستيكية ومعدنية في تجوّلهم في داخل الأزقة السكنية مردّدين عبارات شهيرة خاصة بـ"ماجينا" يطلبون فيها أن يوزّع الناس عليهم الحلوى أو النقود على أن يقابل من يجزل عليهم بالعطايا بهديّة أكبر وهي زيارة بيت الله الحرام.