طفولة في حقيبة

طفولة في حقيبة

15 ابريل 2015
...وأذكر فصولاً من حرب لم أشهد بداياتها (ألان بالي)
+ الخط -

هدوء ثقيل. نكتم أنفاسنا، في حين تتجمّد نبضاتنا خوفاً من التشويش. وننصت. حان الوقت. القمر بدر هذه الليلة. لن نحتاج إلى ذلك المصباح اليدويّ المعدنيّ المضلّع. فيفتح الوالد باب المطبخ، قبل أن نركض صوب الدرج الخلفيّ. الوالدة في المقدّمة مع تلك الحقيبة الرماديّة، ونحن بالصفّ خلفها.

نهبط سريعاً إلى بيت الجيران الذي سبق وحُصّن بأكياس الرمل، ونتوجّه مباشرة إلى الغرفتَين الداخليتَين، كما العادة. نخلع معاطفنا وأحذيتنا ونتّخذ أمكنة لنا على فرش الإسفنج أرضاً. الجلوس والنوم على مستوى منخفض هما أكثر أماناً. هكذا نظنّ.

جولة قصف أخرى. ننصت من جديد وإن لم نكتم أنفاسنا هذه المرّة. وتبدأ لعبة تقدير أمكنة سقوط القذائف. فلعبة تمييز هدير القذائف، تلك التي تسقط علينا وتلك التي تُطلق من المدفعيّة المنصوبة في سهل البلدة، أصبحت ساذجة وقد بتنا خبراء في ذلك. ويصير الهدير تهويدة لنا نغفو على وقعه، وإن كان يجعلنا نرتعش ارتعاباً. مفارقة لا تصحّ إلا في مثل هذه الظروف.

بالقرب منا - نحن الصغار - تجلس الوالدة وفي حضنها تلك الحقيبة الرماديّة. هي من مستلزمات الهروب إلى بيت الجيران، وما عدا ذلك تُحفظ في أسفل خزانة الملابس. لم أكن قد تخطّيت السادسة من عمري عندما دفعني فضولي إلى فتحها واستكشاف داخلها. في أحد جيوبها، وُضِعت علبة كبريت وشمعة وقلم حبر ناشف وبطاريتان كبيرتان ومصباح يدويّ معدنيّ مضلّع.. هو نفسه الذي كان يرافقنا في طريقنا إلى بيت الجيران. في جيب آخر، علب صغيرة جُمعت فيها حليّ الذهب وبعض أوراق نقديّة. أما في الثالث، فكثير من الأوراق التي حفظت في أظرفة سمراء كبيرة. هي مستندات رسميّة مختلفة، لا سيّما صكوك ملكيّة وشهادات ميلاد وبطاقات هويّة.

في سياق فيلمها الوثائقيّ "لي قبور في هذه الأرض" الذي عُرِض أخيراً، تتحدّث المخرجة اللبنانيّة رين متري عن حقيبة كانت ترافق عائلتها في خلال الحرب التي استباحت البلاد. هي حقيبة كانت تحوي صكوك ملكيّة أرضهم التي هُجّروا منها، في واحد من فصول الحرب الأهليّة. هي حقيبة تخيّلتُها شبيهة بحقيبة عائلتنا، وإن لم نُهجَّر من أرضنا.

لا أعلم إن كانت حقيبة عائلة رين رماديّة اللون أيضاً ومع ثلاثة جيوب. لا أعلم إن كانت تحوي أيضاً مصباحاً يدوياً معدنياً مضلّعاً وعلبة كبريت وشمعة وقلم حبر ناشف وبطاريتَين كبيرتَين وأوراقاً نقديّة وعلباً صغيرة لحليّ الذهب. لكنني أعلم أنها ما زالت تذكرها مثلما أفعل. وأعلم أنها ما زالت تذكر مثلي فصولاً كثيرة من حرب لم أشهد بداياتها، قبل أربعين عاماً.

كثيرون اقتنت عائلاتهم حقائب مشابهة. تكهّن مرجّح. ونتذكّر فصولاً من حرب قيّدت بعضاً من ذواتنا في حقيبة.

المساهمون