طفتُ وما جرؤت

13 يوليو 2020
الصورة
عباس بيضون

في مقدّمة مجلّد أعماله الشعرية الذي صدر عام 2007 كتبت خالدة سعيد خمساً وعشرين صفحة، ختمتها بالقول: "وأنا طُفتُ حول شعر عبّاس بيضون وما جرؤت أن أُحلّله". وبقدر ما في قول الناقدة القديرة من تواضع، فإنه ينطوي أيضاً على صدق كبير، فنحن أمام حياة شعرية مُربكة ليس من اليسير تجليسها في كرسي النقد أو قياسها بالموازَنات. 

أعمال صاحبها، التي صدرت في الثمانينات والتسعينات والعشرية الأولى من الألفية الثالثة، تبدو كما لو أنها صدرت الآن، وكما لو أنها تصدر غداً، ويبدو شاعرها جديداً بقدر ما فيه من عتق الأزل، كأنما هو معلّم هارب (أو ضيّع الطريق) من زمن قديم إلى زمننا، وكأنه أيضاً على أُهبة أن يجد نفسه في زمن جديد وقد أصبح زمننا وراءه.

معلّم هرطوقي يعرف الشّعر أكثر من الشعراء، ويرى أكثر منهم - وبتفهّم أبوي - دودةَ الوقت في تفاحة الزمن على غصن الشجرة، وعلى الطاولة في اللوحة، وفي أناشيد الشعراء الغنائيين. هل نحتاج مناسبة وصوله إلى الخامسة والسبعين لنرسل تحيّة متجدّدة إلى شاعر أحببناه وتعلّمنا من شعره ومن صداقته الطَّلْقة الفسيحة مثل حديقة وسعت الجميع؟ 

الأرجح أن ما نحتاجه حقاً هو قراءة شعراء لغتنا وزماننا، وقراءة عبّاس تبدأ من مطلع "البحر" في "صور": "مَنْ أنا حتى أقف بين المُنشدين..." وصولاً إلى قصائده الجديدة المنشورة في هذه الصفحة، وما بينها من مجموعات تُمثّل مغامرةً في الشّعر العربي، كما تمثّل هذا الشّعر في وحدته المعاصرة وفي غربته.