طعام الجدات والأمهات

29 نوفمبر 2018
الصورة
التبولة والحمص والكبّة كلّها جاهزة (دينا روديك/ Getty)
كانت جدتي تحزن لو زرناها ونحن على شبع، وغادرنا منزلها دون أن نأكل من طعامها. تعرض لنا ما لديها من أصناف علّها تغرينا للتذوق، لأنها تعرف أن اللقمة تجر اللقمة. حينها تشعر بالرضى وبأنها أدت واجبها على أكمل وجه. كانت تنشدّ نحونا بكل حواسها ونحن نأكل، وتواصل دعواتها لنا بالصحة ودوام النعمة حتى ننهي أطباقنا.

كانت ترافقنا إلى الباب عند نهاية زيارتنا لها، وتسرّ لنا بما تنوي تحضيره من أكلات وخبز، لتأخذ وعداً منّا بالعودة القريبة.

لم تكن جدتي الوحيدة التي تعبّر لنا عن حبها وعمق عاطفتها بإطعامنا، بل هو حال تتشارك فيه الجدات والأمهات. هي ثقافة بشرية تجمع مشاعر الحب وغريزة البقاء، ويأتي التعبير عنها بإعداد الطعام وتقديمه. بل تكاد تكون صفة طبيعية ملتصقة بالأمومة، مستمدة من غريزة تغذية الوليد منذ لحظة ولادته، ويتغير أسلوبها مع الفطام والعمر لكنها تحافظ على مكنوناتها. وهذا يجعلنا نبحث عن موقع الأمهات في صلب عادة تكريم الضيف العزيز بإعداد الطعام احتفاءً به، وكذلك مآدب الحزن والفرح.

هكذا كانت جدتي تعبر لنا عن حبها، تقدم لنا طعاماً معجوناً بالعاطفة والاهتمام والحرص. توزع حبها بالتساوي بيننا صغاراً وكباراً، ولم يكن تحلّقنا على الأرض حول طبق دائري كبير يتسع لصحون الحاضرين، إلا تعبيراً عن تلك المساواة.

توارثت بنات جدتي عادتها، وأمي إحداهن. يربطن الاهتمام ويظهرن حبهن ورعايتهن للأبناء بالطعام، كونه رمز الحياة والصحة والاستمرار.

وليس مهماً مقدار البراعة في الطهو، إنما الأهم هو الفعل من بدايته إلى أن يتحول وجبة من العاطفة تدخل إلى القلوب قبل البطون.

وأسأل نفسي ماذا فعلت الحرب بالجدات والأمهات العاجزات عن توفير الطعام لأبنائهن وأحبابهن؟ لا شك أنهن محرومات من إظهار جانب من حبهن عبر الطهو. ويشغلني كيف يعوضن عن هذا النقص والأطباق فارغة والأفواه جائعة.




أظن أن غريزة الحماية والاحتضان تبلغ لديهن أعلى درجاتها لصدّ الموت والخوف عن الأبناء، فتتدنى مرتبة التعبير عن الحب بالإطعام في أوقات المحن، وتصبح فعلاً مؤجلاً ومرتجى.

لؤم الحرب والتشتت والتهجير لا يفرض تغييراً ديمغرافياً فقط، بل يلغي ممارسة عادات ثقافية من صلب حياة الناس. ويخفي حاجات إنسانية كثيرة، منها تبادل الحب بطرقه المختلفة وإعداد الطعام إحداها.

المؤكد أن الحب لا يتوقف فالقلوب تولد عاطفة لا تنضب. لكن الأطفال الجائعين لا ينقصهم الطعام فقط، بل طريقة إعداده بحب ليأخذ طعماً مختلفاً. وطعام الأمهات ليس سداً للرمق فحسب، بل هو أعمق وأغنى بكثير، كونه ينمي الروح كما الجسد تماماً.