طريق بغداد - القدس لم تعد سالكة

طريق بغداد - القدس لم تعد سالكة

03 مايو 2017
الصورة

عراقيون يتظاهرون في بغداد ضد العدوان على غزة (13/12/2008/Getty)

+ الخط -
من زرع الفرقة بين العراقيين والفلسطينيين إلى درجة أن طريق بغداد ــ القدس لم تعد سالكة اليوم؟ ما الذي جعل سياسيي العراق، وكتابه ومثقفيه وشعراءه وطلبته وناشطيه، يغضّون الطرف عن أنباء انتفاضة أشقائهم الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، ويبخلون عليهم حتى بكلمة دعم أو مساندة، وقد كانت بين العراقيين والفلسطينيين علاقة تواصل عجيب، سجلتها وثائق وصور وحكايات تحملها شبكات التواصل في أيامنا هذه، لتذكّرنا بزمانٍ لا أجمل منه ولا أغلى.
عن ذلك الزمان، كثيراً ما كان يحدّثني أبي، يفخر بأنه ركب سيارة طويلة تابعة لشركة نيرن للنقل المشهورة آنذاك مرتحلا من بغداد إلى القدس، ليحقق حلمه في الصلاة في مسجدها الأقصى، أبي لم يكن يعرف شيئاً عن أنطون سعادة أو ميشيل عفلق أو زكي الأرسوزي، ولم يكن قد سمع بهم، لكنه كان يؤكد قناعته دائما أن فلسطين جزءٌ من بلاد الشام وأمة العرب، وقد شاهدت أبي للمرة الأولى، وأنا طفل، يصغي لأخبار الراديو وعيونه تغرورق بالدمع، ولم أجرؤ أن أساله عن سبب بكائه، لكنني لذت بأمي لأسالها، قالت لي إنه بكى من أجل فلسطين التي تدنّس أرضَها عصابةٌ من الغرباء، وعندما كبرت أدركت سر بكاء أبي.
في ذلك الزمان، كان العراقي يعتبر بلاده وفلسطين قطعتين من وطن واحد. في حينه تساءل الشاعر الجواهري الراحل، وهو يرى يافا بأم عينيه: "أحقا بيننا اختلفت حدودٌ/ وما اختلف الطريقُ ولا التراب/ ولا افترقت وجوهٌ عن وجوه/ ولا الضاد الفصيح ولا الكتاب/ فمن أهلي إلى أهلي رجوع/ ومن وطني إلى وطني إياب".
في ذلك الزمان، خاطب السياسي العتيق، رئيس الوزراء المزمن، نوري السعيد، الإنكليز والأميركيين في مذكرةٍ ضافية، ليبلغهم أن العراق يرفض إنشاء دولة يهودية في فلسطين، ويعتبرها جزءا من أمة عربية واحدة، داعياً إلى توحيدها مع سورية ولبنان وفلسطين والعراق، مرحلة أولى نحو وحدة أقطار الأمة، وطالبهم بالعمل على إصدار قرار من عصبة الأمم في رفض إنشاء دولة يهودية هناك، وهو القائل إن فلسطين هي "القضية الأولى في الوجدان العراقي".
ومن وقائع ذلك الزمان أن "دار الإذاعة اللاسلكية للحكومة العراقية"، هكذا هو اسمها الرسمي، كانت تتصدّر نشراتها الإخبارية أخبار معارك الحرب الفلسطينية، وكان المذيع يلحق التحية بعبارة "النصر للعرب" بشارة خير بنصر قريب، وكانت صحف العراق تضع أخبار فلسطين في "مانشيتات" عريضة على صفحاتها الأولى، والحركات والأحزاب تتبارى في إظهار الدعم لفلسطين ولأهلها.
ومن أخبار ذلك الزمان أن جيش العراق قاتل في سهول فلسطين وجبالها، دفاعا عن أهلها، وبهدف تحرير أرضهم، ومنع قيام الدولة الصهيونية عليها، وبرز في معارك كفر قاسم عسكريون عراقيون كان من بينهم عبد الكريم قاسم الذي قدّر له فيما بعد أن يقود انقلابا أسّس لمرحلة جديدة في التاريخ العراقي، وهو أول من أطلق فكرة تشكيل "جيش تحرير فلسطين"، وعمل على تجسيدها عمليا بتأسيسه "فوج التحرير" الذي أشرف على تدريبه وتسليحه عسكريون عراقيون، وقد لعبت أهواء الخصوم دوراً في إخفاء الوثائق والسجلات الخاصة بهذا الإنجاز التاريخي، وسعت إلى طمسه من الذاكرة العراقية نكاية بقاسم نفسه.
ومن أصداء ذلك الزمان أن فلسطين ظلت، في عهود الجمهوريات العراقية اللاحقة، في واجهة السياسات الرسمية، وفي صدارة برامج الأحزاب والحركات السياسية، وصدرت تشريعات تحتفي بالفلسطينيين، وتعزز أخوّتهم أهل العراق، وتضمن حقوقهم في العمل والتملك والحقوق الإنسانية الأخرى.
ولكن، عندما قدر لذلك الزمان الجميل أن يرحل، وأن يرحل أهله تغيّر الحال والمآل معا، إذ واجه الفلسطينيون المقيمون في العراق حرب قتل وخطف وتهجير، وألغيت كل حقوقهم التي أقرّها مشّرعو العهود السابقة، ولم يعد لفلسطين مكان في الأجندة الرسمية، كما لم تعد طريق بغداد- القدس سالكة، وتم صرف الناس عن طلب الصلاة في المسجد الأقصى، وتماهت مع تلك الأجندة عقول كتاب وشعراء ومثقفين وناشطين عراقيين أقلعوا عن ذكر فلسطين، وعن تذكّرها، وآخر ما فعلوه غضّ الطرف عن انتفاضة الأسرى المضربين، والبخل عليهم حتى بكلمة دعم أو مساندة، الصوت الوحيد الذي كسر حاجز الصمت هو صوت مقتدى الصدر الذي تضامن مع الأسرى صياماً ثلاثة أيام، أما الآخرون فما زالوا في نومة أهل الكهف، على الرغم من دخول الانتفاضة في أسبوعها الثالث.
يصبح هنا سؤالنا عمن زرع الفرقة بين العراقيين والفلسطينيين سؤالا غير ذي معنى.

دلالات