طبيب يمني يجوب الشوارع لمحاربة كورونا: "أوقفني إن كنت تريد استشارة"

05 يونيو 2020
الصورة
الاستشارات مجانية (فيسبوك)
لا يقتصر دور أطباء اليمن في التصدي لوباء كورونا على التواجد بمراكز العزل وغرف العناية المركّزة، فالمتجوّلون في شوارع العاصمة صنعاء، وشرائح المجتمع المسحوقة الذين تتلقفهم الإشاعات والضغوط النفسية جراء تفشي الفيروس، لم يغيبوا عن أذهان الجيش الأبيض.

ولأن شوارع صنعاء تكتظ بمئات العاجزين عن دفع تكاليف الاستشارات الطبية أو متابعة التعليمات الصحية على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الضغط الهائل على المرافق الصحية الحكومية والأهلية، لم يتردّد الطبيب اليمني، سامي الحاج، بإطلاق مبادرة ذاتية هدفها الوصول إلى أكثر شرائح المجتمع فقراً وأقلّها وصولاً لخدمات الإنترنت.
في ملصق إعلاني على زجاج سيارته الخلفي، كتب عليه "أوقفني إن كنت تريد استشارة طبية"، دشّن الطبيب الداخلي والمختصّ بجراحة الجلد، سامي الحاج، مبادرته في شوارع صنعاء، للمساعدة على احتواء فيروس كورونا، والذي أقرّت بتفشّيه السلطات الحوثية، لكن دون ذكر أرقام محددة.


ولم تكن هذه المبادرة الأولى للطبيب، فمنذ الأيام الأولى من شهر مارس/آذار الماضي، وفي ذروة تفشي الفيروس في عدد من الدول العربية، بدأ الطبيب سامي، بتكثيف جهوده لتوعية المجتمع، من خلال محاضرات عبر الإنترنت. ظلّ يناشد في محاضراته سكّان صنعاء الالتزام بالإجراءات الاحترازية والتباعد الاجتماعي، كما ناشد السلطات عدّة مرّات بإغلاق المساجد والأسواق الشعبية، التي تعد السبب لأبرز التجمعات.
عقب الارتفاع الحاصل بالإصابات خلال الأسبوعين الماضيين، ورغم إخفاء السلطات الأرقام الحقيقية، انهالت الاستشارات على الطبيب سامي، سواء عن طريق المكالمات الهاتفية أو الرسائل في خدمات التواصل الاجتماعي، وكانت أغلبها تأتي من ميسوري الحال أو متوسطي الدخل.
يقول الطبيب سامي، الذي كان يعمل مع شركة تقدم استشارات طبية عبر الإنترنت، خارج اليمن، إنّ كثافة التواصل معه خلال الفترة الماضية من الميسورين، جعلته يفكر جديا بالطبقة الكادحة. وإذا كان الميسورون غير قادرين على الوصول إلى المرافق الصحية، فكيف هو حال الفقراء؟
من أجل استهداف الطبقات الدنيا بالمجتمع اليمني، لجأ الطبيب سامي لاستغلال صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، منذ مارس الماضي، للتوعية ضدّ مخاطر كورونا. ونظرا لمحدودية المشاهدات، لجأ لتقديم المشورة للأهل ثم الجيران في الحي الذي يقطنه، قبل أن يجد نفسه في الشارع، يقدم الاستشارات لكافة الناس وخصوصاً لمن لا يجيدون استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.


وقال الطبيب اليمني في حديث لـ"العربي الجديد": "المبادرة بدأت منذ أسابيع، لكن لم يتم تسليط الضوء عليها إعلامياً. كان الناس ينزلون من سياراتهم أو من حافلات النقل العام، ليتجمهروا من حولي. ومع مرور الأيام، أصبح المواطنون يعرفون سيارتي واللافتة عليها، ويتقدّمون نحوها لطلب الاستشارة الطبية".
ليس للطبيب سامي خارطة معينة للتنقل في الشوارع، ولكن من خلال ذهابه وإيابه إلى المستشفيات التي يعمل بها، أصبح الناس يعرفون خطّ سيره اليومي. كما أنه يركّز على الباعة المتجوّلين، ويقول "إنّ حياة الباحثين عن الزرق اليومي تهمّ الجميع، فإصابتهم بالأوبئة هي إصابة للجميع، ولا بد من الاهتمام بهم في ظلّ الظروف المعيشية الصعبة، خصوصاً وأنّ الاستشارات بالمرافق الصحية، تتطلب مقابلاً مادياً وترتيبات ومواعيد".
وفيما قوبلت المبادرة بثناء واسع في الشارع اليمني وروّاد مواقع التواصل الاجتماعي، كان الطبيب سامي الحاج هدفاً أيضاً لسهام النقد من بعض الأصوات التي ترى بأنّ الطب لا يُمارس في الشوارع، ولكن في مرافق صحية متخصّصة.
وتعليقاً على ذلك، يؤكد الطبيب سامي في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنّ عنوان المبادرة هو "استشارة طبية"، وهو لا يقدّم الكشف الطبي أو الفحوصات. ولفت إلى أنّ كافة الأطباء في الوقت الراهن، يتلقون بشكل يومي استفسارات من أفراد أسرهم ومعارفهم وجيرانهم، حول فيروس كورونا.
ويضيف: "أنصح الحالات الحرجة بالعزل التام والتواصل مع السلطات الصحية، والحالات البسيطة أكتب لها الفيتامينات، والمسكّنات التي ليس لها أعراض جانبية. كما أبلغ من لديهم أمراض مزمنة بضرورة إجراء فحوص أو أشعة الرنين الخاصة بكل مرض".
وهذه ليست المبادرة الطبية الأولى التي ظهرت مع فيروس كورونا باليمن، إذ أطلق عدد من الأطباء اليمنيين المختصين، على فيسبوك، بعضهم خارج البلد، مجموعة خاصة لتقديم الاستشارات الطبية المجانية للناس، مع اتساع حالة الهلع في أوساط المجتمع.
وفي غضون أيام، أصبحت الصفحة التي تحمل اسم "أنا طبيب .. أنا معك"، تضم نحو 80 ألف مشترك، وتقدم استشارات مجانية على مدار الساعة لآلاف اليمنيين الذين يبحثون، في المقام الأول، عن الدعم النفسي.


ويعيش اليمن انهياراً شبه كامل في المنظومة الصحية جراء الحرب الدائرة منذ نحو 6 سنوات، ووفقاً لمراقبين، فقد ساهمت المبادرات الطبية الجديدة، في تخفيف الضغط عن المرافق الطبية إلى حد كبير، مع تزايد حالة الخوف في أوساط الناس، رغم أن أول إصابة معلنة بالفيروس، كانت في العاشر من إبريل/ نيسان الماضي، أي بعد أسابيع من تفشيه في دول الجوار.
ويرى الصحافي اليمني، أحمد زيد، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ "الاستشارات المجانية سواء في الشارع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قدّمت دعماً نفسياً كبيراً لآلاف الناس المشتبه بإصابتهم بكورونا، وأنقذتهم من الوصفات الشعبية والعقاقير المهدئة التي قد تتسبّب لهم بمضاعفات، وتوصلهم لمراحل حرجة من المرض. بالتالي لا بد من شكر القائمين عليها باعتبارهم ملائكة رحمة حقيقيين".
وحتى فجر الجمعة، لم تكشف السلطات الصحية اليمنية سوى عن 457 إصابة بفيروس كورونا، بينها 104 وفيات و19 حالة تعاف، لكن منظمات دولية تشكّك في قدرة اليمن على اكتشاف الفيروس بكل المحافظات، وتقول إنّ الأرقام أكبر من ذلك بكثير.