طارق إبراهيم: جينات معمارية

04 مارس 2020
الصورة
يحرص على بقاء التاريخي ضمن سياق حداثي (العربي الجديد)
تعكس العمارة ثقافة الشعب وهويته، ما يدعونا إلى الحفاظ عليها، بما فيها من مكونات أساسية وركائز، حرصاً على التاريخ وعلى تفاصيله. بهذه العبارات، يعبّر المهندس المعماري اللبناني طارق إبراهيم، الفائز بجائزة "التميز بالعمارة" الألمانية العالمية بين آلاف المتبارين، عن مشروع معماري بعنوان "امتداد الهوية". عن مشروعه الذي حرص فيه على احترام التاريخ بأدق التفاصيل، يتحدث إلى "العربي الجديد"، مشيراً إلى التميز من خلال الدمج بين التراث والفن المعاصر.

عندما عمل المهندس طارق إبراهيم على مشروع الفيلا في منطقة الشوف في عام 2018، بناء على طلب مالكيها، لم تكن الجوائز أو بلوغ العالمية من أهدافه، بل كان همه الأساسي الحفاظ على تاريخ البناء الذي يعمل عليه، خصوصاً أنه تبين له أن بناءه يعود إلى عام 1852. "طلب مني مالكو الفيلا ترميمها والعمل على توسيعها. كشفت عليها بدايةً، رأيت بيتاً قديماً من حجر وسقفه من الباطون. كان الهدف من المشروع ترميمه، وقد تبين لي في البحث أن البيت الأساسي بني في عام 1852، أما الجزء الأحدث منه فقد بني في عام 1943. كما أضيف إليه الجزء الأصغر في عام 1983 في مرة ثالثة. أثار هذا فضولي حول إمكانية ترميم البيت مع الحفاظ على جزئه القديم وتاريخه وهويته، وهذا ما أحرص عليه دوماً في عملي لتأثري بالمدرسة الإسبانية التي تركز على أهمية الحفاظ على التاريخ في العمارة".
كانت أسفار إبراهيم في دول أوروبية عديدة قد لعبت دوراً مهماً في اتجاهاته في مجال عمله. فانطلاقاً من ذلك، تأثر بالمدرسة الإسبانية الداعية إلى "عدم التكذيب في التاريخ"، التي يعتبرها الأقرب إلى قلبه. كما شارك في ورش عمل عديدة في دول أوروبية تعرف فيها إلى مدارس مختلفة؛ حيث كان الحفاظ على الهوية والتاريخ عنصراً أساسياً في فن العمارة. انطلاقاً من ذلك، كان الحفاظ على الهوية عنصراً أساسياً في العمل هنا.


"عندما عملت على هذا المشروع، قرّرت أن أركز على هذا الجزء الذي يفصل بين القسمين، القديم وذاك الجديد، وهو الجزء الفاصل بين الحديقة والبيت. هدفي الأساسي أصبح الحفاظ على روح البيت وعلى جيناته التاريخية. فمهما حصلت من تغييرات، هذه الأمور تبقى بصمة في التاريخ، تعكس هوية المباني وثقافة الشعوب المعنية وكل ما يعنيها. وتجدر الإشارة إلى أن مدخل البيت كان يشكل قسماً أساسياً في البيوت الريفية، كونه يعكس معاني الكرم والضيافة، وكان لا بد من الحفاظ على هذا الطابع. انطلاقاً من ذلك، قدمته بلغة جديدة من دون أن أمس بهويته الأساسية؛ فنجد فيه الخشب والزجاج ونوعية حجر مضروب على المنشار، لا يخضع إلى تغييرات كثيرة أثناء العمل فيه، بل يحفظ شكله الأساسي وطابعه إلى حد كبير. بهذه الطريقة أردت الحفاظ على تاريخ البيت".

يضيف إبراهيم: "لا يخفى على أحد أن أهمية البيت الريفي لا تكون في التفاصيل التي فيه، بل في تداخله واندماجه مع محيطه. بالنسبة لي، كل بيت يحكي قصة شعب أو بلد أو مجتمع، ويعكس ثقافة ونمط حياة وهوية ولا يجوز المس بذلك. الهندسة المعمارية هي الدليل الحسي على وجود الحضارات عبر التاريخ، وهي الخالدة عبر الأجيال. لذلك، كان مهماً لي أن أحافظ على هذه الهوية. علماً أنني عندما عملت على المشروع وأنجزته لم أكن أفكر في الجوائز. إنما بعدما أنهيته، ذهبت إلى إيطاليا في عام 2019 وفزت بالبرونزية في جائزة A- Prime Design . كذلك نافس مشروعي مشاريع عالمية في نيويورك، وصولاً إلى ألمانيا حيث نافس آلاف المشاريع وفزت بجائزة التميز بالعمارة في "German Design Award".
الميزة الأساسية للمشروع، بحسب القيّمين على الجائزة، كانت في قدرته على دمج العمارة القديمة والتاريخية مع العمارة الحديثة، واحترام المهندس تاريخ البناء. كان لافتاً النضوج والقدرة في التصميم التي جمع فيها إبراهيم ما بين الجرأة الحادة والتناغم مع الجمال بشكل متواضع وحساس. 

يقول إبراهيم: "ثمة تركيز اليوم على هذه القدرة لدى العرب في كيفية الترميم والزيادة على المنشآت وهي المدرسة الجديدة في التعامل مع الموضوع". هذا التميز الذي استطاع بفضله المعماري أن يترك بصمة في مجال الهندسة، وذلك في حرصه على التاريخ والهوية في ما يقدمه، حتى استطاع أن يلفت الأنظار ويفوز بجوائز عالمية من خلال عمله.

دلالات