طابور خامس في الثورة السورية

طابور خامس في الثورة السورية

21 يناير 2016
الصورة
+ الخط -
ثمّة حرب معنوية موازية يشنها النظام السوري وأنصاره على معارضيهم، ينخرط فيها محسوبون كثيرون على المعارضة، بوعي أو من دونه، وهي بالنتيجة توهن في جبهة المعارضين، وتشق صفوفهم.
ويلاحظ المتابع، في السنوات الماضية، أن آلية عمل دعاية النظام وأنصاره تبدأ بتحديد هدفٍ قد يكون شخصاً أو تنظيماً أو فكرة معينة، للعمل على تحطيمه، أو تشويهه، أو التشكيك فيه، والحط من قدره أمام أنصاره وجمهوره.
وعادةً، ما يبدأ الأمر مع إطلاق دعاية النظام، مستعينة أحياناً بوسائل إعلام لبنانية مقرّبة من حزب الله، الفكرة على نحو سلسلة الاتهامات التي كانت تطاول قائد جيش الإسلام، زهران علوش، قبل اغتياله، بأنه يسهم في حصار الغوطة، وأنه يتعامل مع النظام.. إلخ، وعلى نمط ذلك ما يصدر من اتهامات مختلفة بحق الشيخ معاذ الخطيب، الرئيس الأسبق للائتلاف المعارض، وبحق قادةٍ عسكريين ميدانيين بأنهم يتخاذلون في المعارك، ويسرقون أموال المساعدات.. إلخ.
ويدخل في ذلك أيضا محاولة تكريس مفاهيم، تضعف جبهة خصوم النظام، مثل التصنيفات المتعلقة بمن هو إرهابي وغير إرهابي. مثلاً، نجحت دعاية النظام، ومعها الدعايتان الإيرانية والروسية، في تسويق فكرة أن جبهة النصرة تنظيم إرهابي، على الرغم من أن الجبهة على أرض الواقع ربما تكون من أقل التنظيمات خرقاً لحقوق الإنسان، وباستثناء بعض الشطط في طريقة تعاملها مع الناس، في بعض المناطق المحرّرة، لا يعرف عن الجبهة ارتكابها أية مجازر، أو انتهاكات خطيرة بحق المدنيين، ولكن يعرف عنها أنها الأشرس في القتال ضد قوات النظام وحزب الله. وفي السياق نفسه، يجري أيضا العمل على محاولة إدراج أهم التنظيمات المقاتلة ضد النظام في خانة الإرهاب، وفي مقدمتها حركة أحرار الشام وجيش الإسلام. كما تجري محاولات دؤوبة لربط الثورة السورية كلها بالتطرف والإرهاب والعنف، ومن طرف خفي، ربط الإسلام السني بذلك كله.
السند الخفي، لهذه الدعاية (قد تستند أحيانا لبعض الوقائع فعلاً. لكن، بعد تضخيمها وإخراجها من سياقها)، هو ما يمكن تسميته الطابور الخامس في صفوف المحسوبين على المعارضة السورية، والذين يُسارعون إلى التقاط كثير من دعايات النظام والتسويق لها، مما يمنحها بعض المصداقية، باعتبارها تصدر، هذه المرة، عن معارضين، ما يدخلها في باب النقد الذاتي، ومحاولة تصحيح المسار.
والواقع أن هؤلاء "المعارضين" ينقسمون إلى مجموعتين بشكل عام، الأولى أقرب فكرياً واجتماعياً لصف النظام، وهم غالباً من "مثقفي الأقليات" ممن يتوجسون بفطرتهم، من أي شيء إسلامي، بغض النظر عما إذا كان متطرفاً أو معتدلاً، ويعتقد بعضهم في قرارة نفسه بأن كل مسلم هو بالضرورة داعشي صغير أو كبير. ولعل ضيق صدر النظام تجاههم، وإفادة بعضهم من موقعهم الحالي، منعهم من المضي باتجاه النظام، ودفع كثيرين منهم إلى إعلان معارضته النظام والمعارضة معا.
والمجموعة الثانية أقل انكشافاً، كونها من "الأوساط السنية"، حيث قد يروج بعض أفرادها اتهامات غير مثبتة ضد المعارضة، بحسن نية وبهدف تقويم المسار، بينما يطلق آخرون اتهاماتٍ صحيحةً، جزئياً أو كلياً، لكنها غالباً ما تدخل في إطار المزاودات والمنافسات وتصفية الحسابات، وكثيراً ما تلتقط أجهزة النظام مثل هذه الاتهامات، لتعيد إنتاجها مع بعض الإضافات، ومن دون إغفال مصدرها وشهودها من جبهة المعارضين.
وإذا كان الهاجس الأبرز لدى "مثقفي الأقليات" هو الإسلام، فإن ما يقابله لدى بعض "مثقفي السنة"، ولا سيما من يحتسبون أنفسهم علمانيين، هو حرصهم الكبير على تقديم أنفسهم أشخاصاً "حضاريين"، وأنهم ليسوا "دواعش" مستترين. لذلك، لا يفوتون فرصة لتثبيت "مسافة أمان" مع الإسلام والإسلاميين، ومن دون أن نغفل أن الأمر، بالنسبة لقلةٍ منهم، يتعلق بقناعات راسخة لديهم، وليس مجرد مسايرة للآخرين.
بطبيعة الحال، هذه الصورة لآلية إنتاج الإشاعات وترويجها ضد المعارضين، من سياسيين وعسكريين ومثقفين، وإن كانت صحيحة بشكل عام، لكنها لا تخلو من تبسيط أحياناً، حيث الواقع أشد غنى وتعقيداً، وستجد دائماً استثناءات لهذه الصورة، قد تشوّش الصورة لدى بعضهم، لكن عين المراقب اللبيب لا يمكن أن تخطئها.