ضم الضفة: فخّ الـ"إذا"

15 يوليو 2020
الصورة

تغلب على المواقف الأوروبية حيال مشروع إضفاء الشرعية على احتلال الضفة الغربية، واسمها الأنيق "خطة الضم"، عبارة اشتراطية مليئة بالأفخاخ، تبدأ برفض قاطع لوعد بنيامين نتنياهو فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات والأغوار الفلسطينية، وتُختتم بانقلاب على الرفض وموافقة في حال تم العثور على فلسطيني ما يدّعي تمثيل شعبه، ويوافق على التنازل عما بقي من أراضٍ لم يرفرف فوقها العلم الأبيض والأزرق بعد. عدد كبير من العواصم الأوروبية استعار مصطلحات بوريس جونسون التي طبعها في مقاله بصحيفة يديعوت أحرونوت قبل أسبوعين، وصارت بمثابة لازمة: نحث إسرائيل على عدم المضي في ضم أجزاء من الضفة الغربية، لأن ذلك سيكون غير قانوني ومخالفاً لمصالح إسرائيل، ولن نعترف بتغيير وضعية الأراضي المحتلة عام 1967 إذا لم تحصل بموجب مفاوضات وموافقة الفلسطينيين. 

في هذه الـ" إذا" يكمن كل المعنى. لا تحديد لهوية الفلسطينيين الذين قد يوافقون أو لا يوافقون، بل فتح لباب ترشيحات قد لا يُغلق قريباً أمام حالمين بحمل لقب تمثيل هذا الشعب، قد لا يترددون في الاستثمار بالإحباط العام الذي يعم الفلسطينيين، ليحملوا شعار التفاوض للحدّ من الخسائر على اعتبار أن الضمّ حتميّ، وذلك طبعاً عبر الاستراتيجية الوحيدة التي لا تزال السلطة تعتمدها وتتمسك بها: مفاوضات التسوية. لو كان الموقف الأوروبي الرافض لضم ثلث أراضي الضفة إلى إسرائيل جازماً وحازماً، لكانت العبارة انتهت عند عدم الموافقة على حصول أي تغيير في الوضعية التي يعترف بها القانون الدولي للأراضي المحتلة، ولكان الموقف حمل النزاع إلى مستوى العقوبات التي تُفرض على الدول لمجرد التهديد بفرض احتلال أو بتوسيعه. لكن الأوروبيين، بدلاً من ذلك، يتسابقون على معاقبة مناهضي الصهيونية من أبناء جلدتهم، ويُصدرون القوانين بالتوالي التي تساوي بين مناهضة الصهيونية، ومناهضة السامية.

والموقف الأوروبي هنا في هذه الـ"إذا" يحيل إلى تذاكٍ شهير ولعب على الكلام سبق أن ساهم في الكارثة الفلسطينية. عام 1976، أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً، مشروعه بريطاني، رقمه 242، ألزم القوات الإسرائيلية بالانسحاب "من أراضٍ احتُلت في النزاع الأخير" (1967). النسخة الإنكليزية من القرار شُطبت منها أل التعريف الخاصة بـ"أراضٍ احتُلت"، ولم يُجدِ توضيح أعضاء آخرين في مجلس الأمن حينها، فرنسا والاتحاد السوفييتي ومالي والهند ونيجيريا، أن المقصود هو "انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي التي احتلت عام 1967". حملت إسرائيل الهدية اللغوية وجرت المياه الكثيرة منذ ذلك الوقت: انسحاب محدود من بعض المناطق بشكل رمزي في الضفة وغزة والجولان وسيناء لتبقى الأراضي الأخرى محتلة، وبحجة "قانونية" وفق القرار 242. اليوم يحصل أمر ربما يتطور ليصبح شبيهاً بمصيبة ذاك القرار الدولي بنسخته الإنكليزية: مطلوب توقيع فلسطيني بأي ثمن على إخضاع أراضٍ في الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية. وسلطة محمود عباس، على مصائبها التي لا تُحصى، تعتصم بسلاح الفيتو مع أنها، وهي ترفض بشكل قاطع التوقيع على أي ضمّ للـ22 في المائة المتبقية من أراضي فلسطين التاريخية، فإنها لا تيأس من التلويح بسلاحها المفضل: العودة إلى طاولة المفاوضات. وهذه العودة اليوم مطلوبة بشدة من أطراف عديدة، أولها الإدارة الأميركية التي يريد رئيسها دونالد ترامب بأي ثمن تسجيل نصر يتيم في السياسة الخارجية الأميركية في عهده، عشية انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني، وحظوظه فيها حتى الآن ضئيلة.

أمام المتسلقين المحتملين من بين الفلسطينيين فرصة مزدوجة: فرصة فرض نفسهم ليكونوا ممثلين عن هذا الشعب في مفاوضات تنتهي بالموافقة على ضم جزء من الأراضي المشمولة في خرائط نتنياهو وترامب، وفرصة تسلم سلطة لا يملّ محمود عباس من التهديد بحلها، وهو يدرك أنه لن يكون صعباً العثور على فلسطينيين، مدنيين أم أمنيين، يقبلون وراثة الهيكل بمغرياته السلطوية وبيدهم قلم التوقيع.