ضريح أرطغرل... فصول سابقة لتأسيس السلطنة العثمانية

07 فبراير 2019
الصورة
هنا ضريح أرطغرل (فليكر)
+ الخط -


تركيا الحديثة، حتى قبل موعد تأسيس ما يسمى "الجمهوريّة الثانية" المنتظرة عام 2023، استفادت من الفن عموماً، والدراما خصوصاً، لنشر تاريخها ليس في المنطقة الناطقة بالعربية فقط. إذ انتشرت مسلسلاتها في نحو مائة دولة، وترجمت إلى لغات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا الشرقية وآسيا والأميركيتين، ليتابع نحو 500 مليون شخص حول العالم الإنتاج المرئي التركي.

ومن بين هذه المسلسلات، إن لم نقل أشهرها، كان "قيامة أرطغرل" الذي يحكي جزؤه الخامس الآن عن قيامة عثمان، بعدما خصصت الأجزاء الأربعة السابقة، ومنذ عام 2014، لسيرة حياة أرطغرل بن سليمان شاه، زعيم قبيلة قايي في القرن الثالث عشر الميلادي، وهو من أتراك الأوغوز المسلمين (التركمان)، ووالد عثمان الأول مؤسس السلطنة العثمانية، الذي بدأ دوره خلال الجزء الخامس هذا الموسم.

وقبل أيام، قال رئيس بلدية سوغوت خليل أيدوغدو، إن بيلجيك (شمال شرق تركيا) باتت من أشهر المناطق التركية بسبب ضريح أرطغرل، وإن عدد زوار الضريح ارتفع من نحو 300 ألف زائر إلى مليون و300 ألف، بعد عرض المسلسل، لأن عدد مشاهدي الأجزاء الأربعة من المسلسل بلغ نحو 3 مليارات مشاهد في 85 بلداً حول العالم، بعدما بُثّ المسلسل بخمس وعشرين لغة.

وتفيد كتب التاريخ التركية بأن الترميم الأهم لضريح أرطغرل حصل في زمن السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1886، وقد بناه مؤسس الدولة العثمانية الابن عثمان أول مرة على شكل قبر مفتوح، ثم جاء السلطان محمد الأول وحوّله إلى ضريح، وأعاد بناءه السلطان مصطفى الثالث عام 1757. والضريح مصمّم على شكل مسدّس الأضلاع تعلوه قبة، ويتمّ الوصول إلى القبر من مدخل مستطيل على جانبيه نافذتان. وفتحت نوافذ على الجهات الغربية والشرقية، ليأخذ القبر من الداخل شكل المقام، وقد غطّي بقماش أسود مطرز.

ويمتاز الضريح بوجود تسعة حراس على نحو مستمر، يرتدون الزي العثماني في عصر أرطغرل تخليداً لذكراه. وهناك آثار لطلقات على الضريح، ويقال إنّ جنوداً يونانيين أطلقوها على الضريح.

ولد أرطغرل غازي عام 1191 ميلادياً، وهو والد عثمان الأوّل مؤسس الدولة العثمانية، وقائد قبيلة قايي من أتراك الأوغوز. وفي عام 1227، أصبح أرطغرل قائداً لجماعة قبيلة قايي للتركمان الأوغوز. وبحسب ما جاء في التاريخ التركي، فإن أرطغرل هاجر مع 340 من أبناء قبيلته من منطقة تُركستان الشرقية إلى منطقة الأناضول بسبب الزحف المغولي على أراضيهم، واستقروا في سفح الجبال في منطقة كراكداغ قرب مدينة أنجورو (حالياً أنقرة). وحين كانوا في طريقهم أو قرب هذه المناطق، سمع أرطغرل جلبة وأصواتا تأتي من أحد الجوانب. تتبع الصوت فإذا بمعركة شرسة تدور بين جيش يحمل رايات المسلمين وجيشاً يحمل راية الصليبيين. فما كان من أرطغرل إلا أن أمر فرسان قبيلته، وهم جميعاً من المحاربين الأقوياء، بالمشاركة في المعركة لنُصرة إخوانهم في الدين، من دون أن يعرف من هم في الحقيقة أصلاً.

ودخلوا المعركة وتفاجأ جيش المسلمين بمقاتلين انقضوا على الجيش الصليبي الذي فاقهم بالعُدة والعدد. وتحولت هذه المعركة التي كادت أن تكون فيها كفة المسلمين هي الخاسرة، إلى نصر كبير. وبعد النصر، تقول الرواية إن أرطغرل علِم بأن الله قد اختاره لنجدة الأمير علاء الدين سلطان قونية، فكافأه علاء الدين على مساعدته له بإقطاعه عدة أقاليم ومدن، وصار لا يعتمد في حروبه مع مجاوريه إلا عليه وعلى رِجاله. وعقب كل انتصار، يُقطعهُ أراضي جديدة ويمنحه أموالاً جزيلة ثم لقب قبيلته "بمقدمة السلطان"، لوجودها دائماً في مقَدمة الجيوش.

وعمد أرطغرل بعدها إلى ضم قرية سوغت التي غزاها عام 1231 إلى الأراضي الواقعة تحت سيطرته، مكوناً إقطاعية خاصة به. أصبحت هذه القرية سوغت عاصمة الإمبراطورية العثمانية الأولى عام 1299، تحت حكم عثمان الأول بن أرطغرل. وكانت فتوحات أرطغرل وإقطاعات سلطان السلاجقة له غرب الأناضول، بمثابة النواة التي ورّثها لولده من دون أن يدري أن ولده وأحفاده سيؤسِّسون الدولة العثمانية التي وصلت في أقصى امتداد لها إلى مساحة نحو 20 مليون كيلومتر مربع، وأن يستمر سلطان هذه الدولة ستة قرون من الزمن.

وتعدّ قبيلة قايي الأولى التي تقطن مقاطعة سوغت قرب حدود الدولة البيزنطية. ثمّ استمرّ نزوح القبائل التركية إلى هذه المناطق بعد المعارك الضارية مع المغول، خصوصاً بعد معركة جبل كوسي، التي خسرت فيها الدولة السلجوقية أمام المغول، وكان ذلك في عام 1243.

ولأرطغرل ثلاثة أبناء، هم عثمان وساودي وغندوز. إلا أن التاريخ روى قصة السلطان عثمان غازي، الذي سار على طريق والده، وحمل مثل أبيه لقب الغازي، استناداً إلى حديث النبي محمد: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ". وأصبح اتخاذ هذا اللقب سُنّة في نسل الخلفاء العثمانيين من بعده.

ويقول عبد الملك العصامي المَكِّي: "خلّف أرطغرل أولاداً نجباء أقواهم جأشاً السلطان عثمان الذي دأب في خدمة والده في الجهاد، وتمرس بالغزو، واستمر بعد والده في الجهاد". وحول وفاته، يكتب المؤرخ المَكِّي: "لما كَانَت سنة 697هـ/ 1280 م، توفّي الغازي أرطغرل، فكتب السلطان علاء الدّين لعثمان بن أرطغرل بموافقة السلطنة، وأرسل إِليه خلعة وسيفاً ونقارة وخصّه بالغزو على الكفار، فرأى السلطان علاء الدّين جِدّه وجهده في الجهاد وعلم قابليته ونجابته في فتح أطراف البلاد، فأكرمه وأمده بأنواع الإعانة والإمداد وأرسل الراية السلطانية إليه".

دلالات

المساهمون