ضريبة على الحكمة

26 يونيو 2014   |  آخر تحديث: 03:29 (توقيت القدس)

مسيرة احتجاجية للإخوان المسلمين في عمان (فرانس برس)

+ الخط -

ما فتئ بعض قادة "الاخوان المسلمين" في العالم العربي مصرين على الاعتقاد أنهم حققوا انتصارات استثنائية، خلال موجة "الربيع العربي"، فتمكنوا من تأسيس "دولة مدنية" في تونس، وها هم يدافعون عن الحريات في مصر في مواجهة الانقلاب العسكري غير الدستوري. أما في سورية، فهم يقاتلون النظام الاستبدادي. وفي العراق، يواجهون الطغيان الطائفي، المتجسد في حكومة نوري المالكي. وفي فلسطين، يكادون يحتكرون المقاومة وحدهم! وفوق ذلك، صار لهم باع طويل في تقرير مصائر الأحوال السياسية في المغرب والسودان والأردن، علاوة على تركيا.

تذكِّرنا لغة "الانتصارات" هذه بالخطبة المشهورة التي ألقاها شفيق الحوت في المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1983، بعد الخروج من بيروت، حين قال: "إذا استمرت الانتصارات على هذا المنوال فسنعقد الدورة المقبلة في ماليزيا". وتذكرنا، أيضاً، بالشاعر المصري، أحمد فؤاد نجم، الذي غاظته "انتصارات" الرئيس أنور السادات وتبجحاته، بعد استعادة سيناء فكتب يقول:

رجعتْ سينا وضاعِتْ مصرْ
يا سادات كفاية نصرْ

* * *

خلافاً للأوهام الشائعة، فإن "الإخوان المسلمين" ليسوا في أحسن أحوالهم، وها هم في مصر اليوم على ثلاثة أشكال: الحركيون الذين ينفذون التظاهرات اليومية؛ والقانطون والقاعدون في منازلهم؛ والمنشقون أمثال عبد المنعم أبو الفتوح وكمال الهلباوي ومحمد حبيب الذين يحاولون تأسيس أحزاب جديدة، مثل حزب مصر القوية والتيار المصري وحركة "إخوان بلا عنف". وفي الأردن، تمادت انشقاقات "الإخوان" مثل مجموعة زمزم (500 شخصية) التي خرجت في أكتوبر/تشرين الأول 2013، ومجموعة إربد التي انشقت في 31/5/2014، وكان من بين المنشقين المراقب السابق، عبد المجيد ذنيبات ورحيِّل الغرايبة.

أما إخوان سورية، فهم المثال الساطع للبلبلة المتمادية، والاضطراب الذي لا ينتهي؛ ففي معمعان الصراع القديم مع النظام السوري، إبان حكم حافظ الأسد، تحالفوا مع صدام حسين. وفي أثناء صراعهم مع النظام نفسه، في عهد بشار الأسد، تحالفوا مع عبد الحليم خدام. وعندما لوَّح لهم النظام بإمكان التفاهم بعد سنة 2006، بادروا إلى طلب الصفح والمغفرة، وفرطوا جبهة الخلاص... فحصدوا الخيبة. وكان الإخوان المسلمون في العراق قد وقفوا إلى جانب الاحتلال الأميركي لبلدهم، بينما اتخذ إخوانهم في مصر موقف المعارضة، وها هم اليوم مجرد تابع لـِ"داعش". أما في تونس، فإن "حركة النهضة"، ومعها راشد الغنوشي، لم يتنازلا عن احتكار السلطة إلا كرهاً، ولولا ذلك، لكانت التظاهرات التي عمت شوارع تونس ضد حركة النهضة إما أطاحتها، أو جعلت الجيش يتحرك لاقتناص السلطة، على غرار ما وقع في مصر. وفي ليبيا، تمكن اللواء خليفة حفتر من إقصائهم برضا أميركي مكشوف. وفي فلسطين، جرى انتزاع حتى لقب "الحكومة المقالة" منهم.

* * *

يبدو لي أن صعود الاسلاميين في المنطقة العربية جاء على إيقاع واحد. وتراجعهم اليوم يجري بوتيرة واحدة أيضاً. فبعد "ربيع الميادين" في القاهرة وطرابلس وتونس، ها هو "ربيع العسكر" يتقدم، مع الأسف، ليحسم فوضى السياسة التي عجز الإسلاميون عن الخروج من شراكها. والأميركيون الذين عقدوا زواجاً مؤقتاً معهم (زواج متعة) أفضى إلى وصول محمد مرسي إلى رئاسة مصر، سرعان ما أعلنوا الطلاق ليعقدوا زواجاً جديداً مع الجيش، أدى إلى وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم. أما الجهد الهائل الذي بذله الإخوان المسلمون، ولا سيما في مصر، منذ سنة 2011 فصاعداً، فكان خراجاً بلا غلة، وتبين أن سيوفهم من خشب، ورماحهم من قصب. وحين انقشعت الأوهام أمام عيونهم، كما تنقشع الغيوم في اليوم الصافي، اكتشفوا أن حضورهم انحسر بسرعة فائقة في تونس وليبيا ومصر والخليج العربي والعراق وسورية. لذلك، يجب فرض الضرائب على ادعاءاتهم ومزاعمهم، على أن تتألف لجنة لتقدير هذه الضرائب من خصومهم. ويجب فرض الضرائب على حكمتهم، بشرط أن يقدّروها هم بأنفسهم. أما إنجازاتهم الحقيقية فهي أمور لا تستحق أن تكون وعاءً للضريبة، لأنها لا تساوي ما سينفق على الموظفين الذين سيجمعونها.