ضربة قاسية في مصر للرواية الإعلامية المتنوعة
مئات الصحفيين في لندن يتضامنون مع معتقلي "الجزيرة" (يونيو/2014/Getty)
تختصر صرخات الفرح والتكبير التي أطلقها بعض الحضور في قاعة محكمةٍ في القاهرة، لدى لفظ حكم السجن في حق صحافيين من قناة الجزيرة، حالة العداء الهستيري للاختلاف الذي بات الإعلام الغربي منصته الرئيسية، بعد تحول الإعلام المصري، الخاص والرسمي، بوقا للسلطة الجديدة. لم يصرخ الشاهد على الحكم ابتهاجاً لحصوله على حق ما من معاقبة الصحافيين، بل انسجاماً مع موجةٍ جارفةٍ، بات يضخها الإعلام المحلي يومياً، مطنبا في تبرير القمع المتصاعد للحريات.
وفي ما يتجاوز حالة العداء التي حولت الإعلام المحلي إلى منصة لترويج كل أشكال المؤامرة الافتراضية، الآتية من الغرب، ومن إعلامه، فإن الحكم الجائر على الصحافيين في ختام محاكمةٍ غابت عنها الشروط الأولية للعدالة، وأخذت شكلاً انتقاميا واضحاً، شكل ضربة قاسية لأهم مكتسبات الإعلام المحلي من الإنفتاح السياسي النسبي الذي تلا الثورات العربية، إذ عرف هذا الإعلام في دول الثورات العربية تعدديةً، لا سابق لها بعد التغيير السياسي، انعكست في تمثيل مقبول لمختلف الآراء السياسية، شمل الإعلام الرسمي، أيضاً، وللمرة الأولى. وشكلت هذه التعددية في الآراء تحولاً بالغ الأهمية في الأنظمة الإعلامية التي كانت سابقاً شديدة الانغلاق، حيث كانت وسائل الإعلام مجرد منبر للدعاية للقائد، مع تغييب للإعلام الخاص، أو تحديده، في مواد الترفيه، كما كان الحال في ليبيا وتونس.
ترافق الانفتاح السياسي مع رغبةٍ لدى الجسم الصحافي بتمثيل الخصم السياسي، وكانت هذه التعددية، غير المسبوقة، التعريف الأكثر شيوعاً لمفهوم المهنية لدى الصحافيين، والتعبير الأوضح عن القطيعة مع ممارسات الماضي، والتي كانت قد حولت الإعلام المحلي إلى مجرد منبر لترويج النظام الحاكم والتشهير بمعارضيه. وقد بلغت هذه التعددية مستوياتٍ غير مسبوقة، شملت تمثيل الآراء المعارضة الراديكالية في منابر الإعلام الرسمي في المرحلة الأولى لما بعد الثورات، إلا أن تلك كانت مرحلة ذهبية قصيرة، سرعان ما تراجعت، مع عودة الأنظمة الجديدة إلى استخدام ذخيرة النظام القديم في القمع، ومع فشل محاولة إحداث تبدل في هوية الصحافي الذي يرى أن دوره يتمثل في الدفاع عن النظام، لا في مشاكسته، وهي هوية متأصلة عبر أعوام من استخدام هذا الإعلام مطية لترويج النظام، بما يشمل التلفيق والتعتيم وكل أشكال التلاعب.
لم يشكل التجاذب السياسي فرصة للإعلام المحلي، لانتزاع دور الرقيب على الشأن العام وممارسات الطاقم السياسي، بل أدت العسكرة الإعلامية الموازية لتلك السياسة إلى تحول الصحافيين إلى ما يشبه المتحدثين الرسميين باسم رجال السياسة ومعسكراتها، ليصبحوا رهينة السياسة، بعدما كانوا أداة النظام.
تراجعت التعددية في وسائل الإعلام المحلية، من تمثيلٍ في حده الأدنى، إلى شيطنة متواصلة للرأي المغاير، على نسق الإعلام المصري الذي تحول إلى علبةٍ سوداء للدعاية، تضخ يومياً مختلف أشكال التشهير والاتهامات الباطلة، والتعدّي على السمعة الخاصة والتلاعب بالمعلومات.
ويشكل الحكم بالسجن على صحافيين من قناة الجزيرة، لقيامهم بعملهم صحافيين مهنيين في تمثيل وجهات النظر المختلفة في رواية الحدث، خطوة متقدمة في الضغط، من أجل تعميم الرواية الإعلامية الرسمية للحدث، وفرضها روايةً أحادية، لا نقيض لها. إذ يمثل الحكم رسالةً لتدجين الإعلام الغربي الذي بات رأس حربة في مقارعة الرواية الرسمية للنظام المصري، وأبواقه المحلية. وكان الخطاب الرسمي عبر مراراً عن ضيق ذرعه بالرواية النقدية التي بات الإعلام الغربي يقدمها، بشكل متواصل، في تغطيته التطورات المقلقة في مصر، متهما هذا الإعلام بتشويه صورة مصر، وهي الحجة التي يتذرع بها الإعلام المصري، في محاولة التعمية على التدهور الخطير والمتواصل لحقوق الإنسان والحريات في مصر.
ولعل قرار منع الإعلام الأجنبي من حضور حفل إطلاق المشروع المثير للجدل لعلاج فيروس الإيدز، أخيراً، أحد التعبيرات عن هذا الضيق الرسمي، وعجز أدواته عن السيطرة على رواية الحدث، وتعديلها بما يقتضي خدمة الصورة التي يريدها النظام عن نفسه.
وقرار سجن الصحافيين بناء على أدلة واهية ليس الأول، ولا الوحيد، فثمة عدة صحافيين مصريين معتقلون، بعضهم من دون محاكمة، أو توجيه أي اتهام، غير أن الحكم بسجن الصحافيين من "الجزيرة"، وبينهم الأسترالي بيتر غريستي، المعروف بمهنيته العالية، يدخل التغطية الإعلامية في مصر مرحلة جديدةً، تتراجع فيها الرواية المهنية للوقائع، وقد تختفي لخوف إدارات وسائل الإعلام الأجنبية على طواقمها، بعدما بات السجن الاعتباطي خطراً، لا يقل أهمية عن المخاطر الأمنية للتغطية الإعلامية من مناطق مشتعلة، مثل سورية أو العراق.
صمت الإعلام الغربي في يوم نطق الحكم على صحافيي "الجزيرة"، ووضع العاملون في بعض مؤسساته شرائط سوداء على أفواههم، تعبيراً عن إدانة تكميم الأفواه الجاري في مصر. في المقابل، ضجت الأبواق الاعلامية المحلية بالتهليل للحكم، ومن ذلك وصف أحد هذه الأبواق صحافيي "الجزيرة" بالفريق الإعلامي لتنظيم داعش المتطرف، وتهليل بوق آخر، وصف "العقوبة" بأنها عادلة، استناداً إلى تحليله الشخصي لمعنى العدالة. سادت معظم الإعلام العربي حالة من اللامبالاة تجاه أكثر العقوبات قسوة على الصحافة في زمن ما يسمى الانتقال الديموقراطي. وإلى حين الإفراج عن الصحافة المهنية، ليعلو صوتها مجدداً على أبواق الثورة المضادة، المنفلتة على الشاشات، سوف نكون على موعد مؤجل مع الرواية الإعلامية المتنوعة، والتي كنا ظننا، على خطأ، أنها أنهت عهد الرواية الأحادية إلى غير رجعة.