ضربات داعش مسؤولية مزدوجة

30 مايو 2017
الصورة
+ الخط -
يحافظ تنظيم داعش على معدل وجوده الإجرامي في القارة الأوروبية. ليس لعملياته ثباتٌ محسوب، لكنها تتواتر بشكل لافت، وقد وصل الآن إلى الصالة الاحتفالية الضخمة، أرينا، في مدينة مانشستر البريطانية. يفضّل التنظيم توزيع عملياته على اتساع القارة الأوروبية، ليوحي بقوته ومدى تمدّده الجغرافي، ويوهم العالم بهيمنةٍ مفترضة. يختار التنظيم الأسود أماكن مكتظّة لضرباته، ليثير موجاتٍ عارمةً من الرعب، ويحصد عدداً أكبر من الضحايا، ويحظى بتغطيةٍ إعلاميةٍ مناسبة، وهي استراتيجية ورثها عن تنظيم القاعدة الذي كان يختار ضرباتٍ قادرةً على إثارة أعلى صخب ممكن.
الضجيج الإعلامي ليس الغرض الوحيد، وإنْ كان مطلوباً بقوة، باعتبار الإعلام أحد جواذب التنظيم الأساسية التي يعتمد عليها لتجنيد المُريدين والمتطرّفين والمغامرين والفضوليين، فللتنظيم غرضٌ آخر، هو توجيه الأنظار إلى "الهدف" الذي يقوم بضربه. وفي المرة الأخيرة، كان الهدف حفلاً غنائياً في صالة، وهو هنا يعترض، بأسلوبه الإرهابي، على هذا النوع من النشاط الذي يعتقد بأنه من آفات الغرب التي تجبُ مكافحتُها.
قبل هذا، تعرّض ملهى ليلي في إسطنبول لهجوم حصد أكثر من 40 قتيلاً في احتفال رأس السنة، وكان ملعب "استاد دو فرانس" قد شهد تفجيرات انتحارية على مداخله الرئيسية قبيل مباراة ودية بين فرنسا وألمانيا، وفي الوقت نفسه، كان مسرح باتاكلان مسرحاً لعرض ناري قاتِل، قدّمه ثلاثة جهاديين فتحوا النار في صالة العرض، وتندرج الهجمة على صحيفة شارلي إيبدو تحت المسمّى نفسه.
لا تبدو الهجمات اعتباطيةً أو تابعة لعشوائية الانتقاء، فبالإضافة إلى إمكانية الوجود الكثيف للجمهور فيها، هي أمكنة تعتبر رموزاً ثقافية غربية، ومرتكزات أساسية في أخلاقياتها الاجتماعية، وهذه الهجمات رسائلُ محملةٌ بالمتفجرات والرصاص ضد النظام الفكري الإنساني التحرّري كله، وضربه بهذه الطريقة الموزعة والمنتقاة له وجهتان مختلفتان، تستهدف إحداها الغرب ذاته، وتستهدف الأخرى البيئات المولدة والمتعاطفة مع الفكر الداعشي.
النسق الثقافي الذي يوجه تنظيم الدولة سهامه القاتلة إليه، والذي يقبل إقامة الحفلات المختلطة، ويقبل مثليي الجنس، ويتضمن قبولاً للاختلاف، ويجد متسعاً كبيراً للآراء الأخرى، وعلى استعداد لمناقشتها وتحليلها والدفاع عنها، وتلك من المبادئ التي بدأت تتخلخل وتتغير بانتشار آراء متطرّفة، وزيادة حضور أحزابٍ قوميةٍ، لا تقبل المهاجر، ولا اللاجئ صاحب الدين المختلف، على هيئة الأحزاب القديمة النازية والفاشستية التي أودت بالقارة في منتصف القرن الماضي. وذهب الأمر إلى شكلٍ من الإسلاموفوبيا الذي تخشى فيه بعض القطاعات الغربية، حتى مظهر اللباس الإسلامي، وانعكست الخصومة على سلوكيات الحكومات الغربية، ولم تقتصر على موجات العداء الشعبية فقط. وفي أحدث رد فعل رسمي من هذا النوع، يلغي وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، حفلاً بمناسبة بدء شهر رمضان، دأبت الحكومات الأميركية على إقامته في السنوات العشرين السابقة.
تتعامل الحكومات الغربية غريزياً مع الأمر، وتُبدي ردود أفعال سريعة ومحدودة، وتقترح حلولاً سطحيةً قد تخفف من الهجمات في أوروبا وتطوّقها، ولكنها تبقي على جذور المسألة، فحشد القوى العسكرية للمحاصرة والاستئصال عملية مفيدة بشكل مؤقت، وغير كافيةٍ لإطفاء الجذوة التي تغذّي هذا الفكر، خصوصاً أنها، في الوقت نفسه، تغالي في تمسّكها بمكوناتها الثقافية بتوجيه اللوم والنقد، وحتى المنع، إلى المكوّن الثقافي الآخر، طريقةً من طرق المواجهة، وهذا يشبه ما يقوم به تنظيم الدولة الإسلامية، وإن كانت أساليب التنظيم عنفيةً وإجرامية الطابع. واعتماد الغرب على القانون في منع رموز ثقافية معينة لا يعني أن الغرب لا يقوم بالتصفية على طريقته الخاصة، وهذه الطريقة يمكن أن تؤدي، في نهاية المطاف، إلى تغذية التطرف، ما يعني أنها تقوّضه عسكرياً في ميادين المعركة، وتغذّيه ثقافياً في ساحات مدنها، كالمواجهات العسكرية. وقد يكون أحد أهم أسباب وجود المشكلة هو الجو العسكري الذي تعيشه المنطقة، وفي هذه الأجواء المؤاتية يطوّر التنظيم نفسه، ويخرج بوجوه مختلفةٍ أشد شوكة وأكثر فتكاً.