ضحايا لا جناة

12 مارس 2020
الصورة
في حادثة باتت كثيرة التكرار، أطلق متطرّف يميني ألماني النار على روّاد مقهيين في مدينتي كسل شتات وهاناو، شرق مدينة فرانكفورت في ولاية هيسن الألمانية. وقع الهجوم يوم 19 الشهر الماضي (فبراير/شباط) حوالي العاشرة ليلاً، وراح ضحيّته 11 شخصاً، منهم خمسة أتراك، والباقون من جنسيات مختلفة، إضافة إلى عدة جرحى، وجميع الضحايا من أصول مهاجرة. 
هزّت الجريمة المروّعة المجتمع الألماني، فقد ألغت عدّة أحزاب مهرجاناتها الانتخابية، تضامناً مع الضحايا واحتراماً لمشاعر ذويهم، وسارع المسؤولون إلى إدانة الجريمة التي قالت المستشارة أنجيلا ميركل بشأنها إن المتهم تصرّف انطلاقاً من دوافع عنصرية، وأضافت: "العنصريّة سمّ، الكراهية سمّ، وهذا السمّ موجود في مجتمعنا، وهو مسؤول عن جرائم عديدة". وصنّف وزير الداخلية الاتحادي، هورست زيهوفر، الجريمة هجوما إرهابيا يمينيا متطرّفا بدافع عنصري، وقال "هذا ثالث هجومٍ إرهابي يميني تشهده ألمانيا في غضون أشهر قليلة. إنّ وضع الخطورة الذي يشكله التطرّف اليميني ومعاداة السامية والعنصرية في ألمانيا مرتفع للغاية".
قبل أيام من ذلك، كان النائب عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي في البرلمان الألماني، ليند هلغه، قد ألقى خطاباً جريئاً، وضع فيه الإصبع على الجرح مباشرة. تكلّم عن التمييز الهائل الذي 
تعرّض له المسلمون عبر عقود في المجتمع الألماني، وأرجع التطرّف اليميني الحالي إلى أسباب كثيرة، منها السياسة الخاطئة في التعامل مع المهاجرين عموماً، ومع المسلمين منهم خصوصاً، ومنها الإعلام والمعالجة المتحيّزة للمشكلات والقضايا المتعلّقة بهم. قال: "أفترض أن تكون هذه الكلمة اعترافاً بذنب، ويأتي هذا برأيي متأخراً كثيراً. يجعل هذا الطلب من الواجب التفكير بما نحتاجه، ونحن نحتاج بجدّية إلى نصبٍ تذكاري في قلوبنا وفي أدمغتنا وفي تصرفاتنا للعطاءات التي قدّمها المسلمون والمسلمات في العقود الأخيرة لهذا البلد. وقد أصاب المسلمين والمسلمات عنف وامتهان في العقود الأخيرة. باسم جميع من تحمّل المسؤولية في الماضي والحاضر في الثقافة السياسية والطبقة السياسية في هذا البلد أقول هنا: أعتذر عن النقاشات في العقود الأخيرة غير المفيدة والتمييزية الواصمة عن الإسلام التي عايشنا الكثير منها في هذه القاعة، ونعلم أنّ حزب البديل من أجل ألمانيا هو نتيجة هذه النقاشات تماماً".
وفي مقابلة له مع قناة (TRT) العربية، بعد يوم من وقوع الجريمة، أشار النائب السابق في البرلمان الألماني، جمال قارصلي، إلى ازدياد أعداد المتطرّفين في ألمانيا، وقال إنّ الأمر لا يجب أن يكون مجرّد انتقادٍ لأداء الحكومة، بل يجب أن يتعدّاها إلى وجوب الوقفة مع الذات، للنظر بعمق إلى جذور هذه الظاهرة. وأفاد بأنّ "الأحزاب اليمينية المتطرّفة يكافئها عملياً الناخبون بمنحها أصواتهم، ما يؤهلها لدخول البرلمان". والحزب الثالث الآن في ألمانيا من حيث القوّة هو حزب البديل من أجل ألمانيا، وهو يميني متطرّف، وشهدنا في الأسبوع الماضي المظاهرة رقم 200 لحركة بيغيدا العنصرية المناهضة للأجانب، وخصوصا المسلمين، ما يوضح مدى الخطورة التي وصل إليها الوضع في ألمانيا، ويمكن القياس عليها في دول أوروبية أخرى.
تُعتبر ألمانيا من بلدان الهجرة، ولذلك نجد حركة تشريعية كبيرة وتطوّراً واضحاً في القوانين الناظمة لقضايا اللجوء والهجرة، وهذا يخفف من أسباب التطرّف وتبعاته. مع ذلك، غالبا ما تفعل الأحكام المسبقة فعلها في الرأي العام الألماني، خصوصا وأنّ التعامل مع الجالية التركية (باعتبارها الأقدم والأكبر عدداً) قد طبع النظرة إلى بقيّة الجاليات المسلمة في ألمانيا. ولا تتحمل هذه الجالية وحدها المسؤولية عن هذا الخلل، بل تشترك معها الحكومات الألمانية والتركية المتعاقبة، وكذلك المجتمعان الألماني والتركي.
النظر بشيء من العمق لما يجري في أوروبا عموماً يسوغ القول، ببعض الحذر، إنّ المجتمعات 
الغربيّة لم تتجاوز بعدُ مخلّفات الحقبة الاستعماريّة الموصوفة بالاستعلاء والعنصريّة تجاه بقية الشعوب. ما زال الأوروبيّون ينظرون، في قرارة أنفسهم، إلى المسلمين أنهم من كوكب ثانٍ مُعادٍ لهم. لم يستطيعوا الاعتراف بأحقيّة الآخرين (من غير الأوروبييّن وخصوصا من المسلمين) في تقرير شكل حياتهم الخاصة. لم يتخلّصوا، في عمق تفكيرهم وسلوكياتهم، من فكر الوصاية والولاية على الآخرين الذي ترافق مع الاكتشافات الجغرافية الكبرى في العالم، والنهضة الفكرية والعلمية، وما نتج عنها من نهضة صناعية مكّنتهم من السيطرة على العالم.
على الأوروبيين أن يدركوا، قبل المهاجرين، أنّ غضّ الطرف عن التطرّف اليميني وصناعة عدّو مُفترض من المسلمين أو المهاجرين أو غيرهم، سيقود، عاجلاً أم آجلاً، إلى موجات عنف مجتمعيّ كبيرة، كالتي سبّبت حروباً طاحنة فيما مضى، منها حربان عالميّتان. الخطر المحدق لا يطاول الفئات الضعيفة والمهمّشة فقط، فهو نارٌ ستلتهم الأخضر واليابس، إن تُرك له العنان. وعلى المهاجرين، والمسلمين منهم تحديداً، أن يبادروا إلى تنظيم صفوفهم، والاستفادة من الأجواء الديمقراطية، ومن سيادة القانون في هذه البلدان، لوقف التطرّف والعنصريّة والتمييز ضدهم، فالله جلّ جلاله لا يسمع من ساكت، والضحايا يجب ألّا يتحوّلوا إلى جناة في نظر المجتمعات الغربية، بل عليهم أن ينتصفوا لأنفسهم بقوّة الحق والقانون.