ضحايا البحث الأمني... فلسطينيون في مرمى التمييز السياسي للسلطة

01 سبتمبر 2019
الصورة
إجراء السلامة الأمنية ينتهك القانون الأساسي الفلسطيني (العربي الجديد)
فوجئت الناشطة والمعلمة الفلسطينية رجاء لحلوح، بحرمان نجلها عرسان من منحة دراسية عن طريق الإدارة العامة للشرطة الفلسطينية، لدراسة العلوم الشرطية والقانون، رغم حصوله على معدل 98.3% في الثانوية العامة، خلال العام الدراسي 2017 – 2018.

وبعد متابعة المشكلة مع الإدارة العامة للشرطة، جاء ردهم الشفوي "ابنك محروم من المنحة بسبب البحث الأمني" كما تقول الأم التي رفضت اليأس، وقدمت أوراق ابنها إلى جامعة الاستقلال الحكومية المختصة في مجال العلوم الأمنية والعسكرية والشرطية، وبالفعل جاء اسم عرسان الثاني ضمن المقبولين، وتم قبوله بعد تجاوز الفحوصات المطلوبة والمقابلة، وبدأ دوامه في سبتمبر/أيلول من عام 2018. لكن بعد ثلاثة أسابيع، تم استدعاء عرسان، وإبلاغه بأنه مفصول من الجامعة بسبب نتائج "البحث الأمني".

بحثت العائلة، عبر مقرّبين، عن سبب الرفض المتكرر، وتبيّن أنه "يعود لنشاطي النقابي في حراك المعلمين الفلسطينيين في عام 2016" كما تقول الأم.


تفاقم بعد الانقسام

تفاقمت آثار ما يسمى بإجراء البحث الأمني أو السلامة الأمنية منذ عام 2007 عقب الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ تقوم أجهزة السلطة الوطنية الفلسطينية بالتحري حول النشاط والانتماء السياسي لمن يتقدمون للعمل في الوظائف والخدمات العامة وغيرها من الخدمات الحياتية العادية، واستهدف الإجراء منتسبي حركة حماس في بدايته، لكنه امتد ليشمل أشخاصا من جهات سياسية أخرى وناشطين نقابيين، ما أدي إلى المنع من السفر عبر المعابر بدون أمر قضائي أو لأسباب سياسية، ومنع إصدار جوازات سفر، والفصل التعسفي من الوظيفة العامة، وانتهاك التنافس النزيه في الوظائف، وفق ما وثقته مُعدة التحقيق مع 7 فلسطينيين تعرّضوا لتلك الانتهاكات، وهو ما يؤكده تقرير "وضع حقوق الإنسان في فلسطين" الصادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في 30 مايو/أيار 2019، والذي أشار إلى تلقّي الهيئة 12 شكوى بالفصل التعسفي من الوظيفة العامة في الضفة الغربية من دون التزام بالمعايير القانونية لتوقيف أو فصل أو عزل الموظف العام خلال العام الماضي، إضافة إلى 19 شكوى حول انتهاك التنافس النزيه في الوظائف نتيجة الانتماء السياسي أو الواسطة والمحسوبية خلال عامي 2017 و2018.

كما تلقت الهيئة، خلال الأعوام الثلاثة السابقة، 91 شكوى تتعلق بانتهاكات منع من السفر أو التنقل أو إصدار جوازات سفر، ضد وزارة الداخلية بالضفة والمخابرات العامة والأمن الوقائي، وفقا لما جاء في تقاريرها السنوية وبحسب ما أوضحه المحامي موسى أبو دهيم مدير دائرة التحقيقات والشكاوى في الهيئة، والذي لفت إلى أن هذه الشكاوى كلها مصنفة ضمن الانتهاكات الناتجة عن إجراء "البحث الأمني".

وتعمل العديد من المؤسسات الحقوقية على رصد آثار البحث الأمني المتفشية، ومن بينها مؤسسة الحق التي رصدت 12 شكوى لمواطنين حرموا من الخدمات بناء على إجراء السلامة الأمنية خلال الفترة من عام 2016 وحتى عام 2018، وتراوح آثار الإجراء بين الحرمان من الخدمات، والنقل من العمل بشكل تعسفي، والامتناع عن منح تراخيص للشركات، والحرمان من الوظائف العمومية، وتعطيل الحصول على أوراق رسمية للتقديم لعمل، ما يغلق أبواب الحياة والعمل في وجه من يعانون من ذلك الإجراء، ومن بينهم الصحافية منال (اسم مستعار بناء على طلبها) والتي تقدمت لوظائف عدة في مؤسسات إعلامية، لكنها رفضت بناء على الخلفية السياسية لها، تحت دعاوى "قلة خبرة وعدم كفاءة" كما تقول، مضيفة أنها تقدمت لعمل داعية في مسجد، لكن وزارة الأوقاف الفلسطينية رفضتها.

وضاعف من معاناة منال، رفض الشركة الخاصة التي عمل بها زوجها لمدة عام تجديد عقد عمله، بحجة أن الأجهزة الأمنية لا تريده أن يكمل فيها، رغم حصوله على تقييم بمعدل 97%، وهو ما يعد الأعلى بين الموظفين، الأمر الذي أجبرها على التقديم للهجرة إلى كندا بحثا عن عمل هناك، بعدما أغلقت سبل الرزق في وجيههما بالضفة الغربية. وهو ما تكرر مع الصحافي سامر خويرة، والذي تقدم لعدد من فرص التوظيف والتدريب، لكنه تلقى ردودا بالرفض بسبب البحث الأمني، ما جعله ينشر مقطعا مصورا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تحدّث فيه عن معاناته ونيته للسفر وترك فلسطين، وهو ما لقي تضامنا كبيرا، وشارك العديد من الشباب في وسم بعنوان #سامر_ترك_البلد، للتنديد بتدمير حياة الشباب بسبب البحث الأمني.


بلاغ شفوي

يخضع المتقدمون إلى الوظائف أو طالبو بعض الخدمات والتراخيص الحكومية إلى إجراء يسمى شهادة حسن السيرة والسلوك، والذي يقوم على استعلام عدلي عن عدم وجود حكم قضائي ضده أو جريمة مخلة بالأخلاق، وفق ما أوضحه أبو دهيم. مشيرا إلى أن ما يسمى بالبحث الأمني من قبل جهازي الأمن الوقائي والمخابرات، يعد انتهاكا لحقوق من يجري منعه من معاملة أو خدمة أو وظيفة بسبب البحث الأمني. وأشار إلى أن البحث الأمني يعتمد على إجراء تحريات أو حتى رصد آراء شخصية، ما أدى إلى أن بعض الحالات رفضها جهاز أمني ووافق عليها آخر، وهو ما يشي بأن الأمر مرهون بتقدير العنصر الأمني وأهوائه.

ويتفق المحامي بسام كراجة، مدير الوحدة القانونية في مركز القدس للمساعدة القانونية، مع الرأي السابق، مشيرا إلى أن أحكام القانون الأساسي وقانون الخدمة المدنية يخلوان من أي بند يشير من قريب أو من بعيد إلى ما يسمى بإجراء "البحث أو السلامة الأمنية"، سواء عند التوظيف أو تقديم الخدمات المختلفة.

ومنذ عام 2011 وحتى اليوم، تابع مركز القدس أكثر من 120 انتهاكا موثقا بسبب ما يسمى بالبحث، كما أوضح كراجة، لافتا إلى الحصول في بعض الحالات على وثائق وردود من قبل النيابة العامة تشير إلى عدم موافقة الأجهزة الأمنية على الشخص المتقدم لوظيفة أو طالب الخدمة تحت بند "لا نوصي" وتوجه بها إلى المحكمة العليا التي رفضت ذلك الإجراء وقضت مباشرة لصالح المواطنين.

ولا تتلقى غالبية الحالات المرفوضة بسبب البحث الأمني ردا رسميا مكتوبا وإنما شفويا، وهو ما يشير إلى أن التعامل وفق ذلك الإجراء يتم على أساس انتقائي أو حسب لون سياسي معين لذلك، فإن الإدارة ليست بهذه السذاجة لتقولها صراحة إننا رفضنا توظيف شخص أو حرمانه من خدمة معينة على أساس انتمائه السياسي، بحسب كراجة، الذي لفت إلى حالة وقعت قبل أشهر قليلة، لموظفَين عموميين تم حجز رواتبهما، وكشفت المؤشرات أن ذلك بسبب البحث الأمني، قائلا: "المركز تبنّى الحالتين وأوصلهما للقضاء، وفي انتظار حكم المحكمة".



تناقض مع القوانين

تنص المادة 26 من القانون الأساسي المعدل لعام 2003 على أن "للفلسطينيين حق المشاركة في الحياة السياسية، أفراداً وجماعات، ولهم، على وجه الخصوص، الحقوق الآتية: تقلد المناصب والوظائف العامة على قاعدة تكافؤ الفرص، وتشكيل الأحزاب السياسية والانضمام إليها وفقاً للقانون، وتشكيل النقابات والجمعيات والاتحادات والروابط والأندية والمؤسسات الشعبية". كما تنص المادة 28 من القانون ذاته، على أنه "لا يجوز إبعاد أي فلسطيني عن أرض الوطن، أو حرمانه من العودة إليه أو منعه من المغادرة أو تجريده من الجنسية أو تسليمه لأية جهة أجنبية. لكن السلطة الفلسطينية تنتهك هذا القانون بمنعها مواطنين فلسطينيين من السفر، ومنهم الخمسيني روحي أبو رميلة الذي منعته من السفر منذ شهر يوليو/تموز 2017 بحجة البحث الأمني، وطالبوه بمراجعة جهاز المخابرات، كما يقول.


رد وزارة الداخلية

تؤكد وزارة الداخلية الفلسطينية في ردها على أسئلة "العربي الجديد" أن إجراء السلامة الأمنية ظهر مع وجود السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1994، بهدف الحفاظ على سلامة مؤسسات الدولة من أي اختراق أمني له علاقة بالاحتلال أو أي جهات خارجية أو غيرها، ما قد يتسبب في خلل في سير عمل المؤسسات، أو تسريب للوثائق والمعلومات الخاصة بهذه المؤسسات وأسس عملها.

وأُسند إجراء السلامة الأمنية بداية لعدد من الأجهزة الأمنية "الشرطة والمخابرات والأمن الوقائي والاستخبارات العسكرية"، باعتبار أن الشرطة هي جهة الاختصاص في موضوع الضابطة العدلية لكل الحوادث والجرائم، وكون (المخابرات والوقائي والاستخبارات) هي الأجهزة المعلوماتية القادرة على ضبط أي تجاوز أمني يخص العلاقة مع العدو أو مع أطراف خارجية أو جهات خارجة عن القانون، بحسب رد الوزارة، والتي لفتت في الخطاب المرسل من مكتب رئيس الوزراء محمد اشتية، بصفته وزيرا حاليا للداخلية، إلى أن الرفض الأمني قد يكون مؤقتا، نظرا لعدم قدرة المؤسسة على التعرف على الشخص، أو لأن المعلومات لم تكن كافية، أو لأنه قد يكون تعرّض لمعلومات كيدية غير صحيحة، وبمجرد التأكد من خطأ هذه المعلومات يتم إعطاء المواطن الموافقة الأمنية، وهو ما يُعمل به في كافة دول العالم.

وتابعت الوزارة أنه إذا لم يحصل المواطن على ورقة حسن سيرة وسلوك لا يتم إعطاؤه ورقة أنه ليس حسن السيرة أو السلوك، لأننا لو عدنا إلى السبب الأول هنا نجد الرفض قد يكون مؤقتا، وبالتالي فإننا في وزارة الداخلية نحفظ الطلب، لكننا لا نرفضه أو نضع عليه أي إشارة لها علاقة بسلوك الشخص، تلافيا لأي تسريب لها قد يسيء لأشخاص المواطنين في المجتمع الفلسطيني.