ضحايا "الجيش الأبيض"...أطباء إيطاليا يدفعون ثمن الفشل الحكومي

ضحايا "الجيش الأبيض"...أطباء إيطاليا يدفعون ثمن الفشل الحكومي في مواجهة كورونا

بيدمونت
عبدالمجيد الفرجي
12 ابريل 2020
+ الخط -
تخشى أخصائية الجراحة الإيطالية، الدكتورة لوتشيا مونتانار، من إصابتها بفيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19) بعد ثبوت إصابة 4 أطباء من زملائها في قسم أمراض الرأس والعنق بمستشفى مولينيتي، أحد أشهر المشافي بمدينة تورينو، عاصمة إقليم بيدمونت المنكوب بالفيروس، شمال غربي إيطاليا.

وأمام العشرينية مونتانار أسبوع كامل حتى يأتي دورها لإجراء التحاليل في محجرها الصحي، للتأكد من إصابتها أو عدم إصابتها بالفيروس، بعدما لاحظت أعراض حمى وكحة على مريض قدم للعلاج من مشاكل في الرأس، تأكد أنه مصاب بالفيروس بعد إجرائه لتحليل مخبري، ولم يتوقف الأمر عند هذا بل نقل المريض العدوى لآخر يعاني من السرطان، توفي لاحقا، كما تروي مونتانار لـ"العربي الجديد".

"المؤسف أنني كنت أستعمل قناع العمليات الجراحية فقط، رغم أنه لا يقي من فيروس كورونا، الذي أودى بحياة زملائي"، كما تقول الطبيبة العشرينية، مؤكدة على عدم توفر الوسائل الطبية اللازمة للوقاية من الفيروس لدى الأطباء غير العاملين مع المصابين بكورونا، وتضيف: "أغلب أقنعة FFP2 وFFP3، مخصصة لزملائي في قسم معالجة المصابين بفيروس كورونا".


قائمة متزايدة من الضحايا


بلغ عدد المصابين بالفيروس ضمن الأطقم الصحية الإيطالية 8956 مصابا، حسب آخر نشرة صادرة في 30 مارس/ آذار الماضي عن معهد الأوبئة التابع للمعهد العالي للصحة، بينما يوثق تقرير نشره الموقع الرسمي لوزارة الصحة الإيطالية نقلا عن المعهد، أن متوسط عمر الأطباء المتوفين أقل بكثير من عموم السكان (49 سنة بدلاً من 63 عاما)، مؤكدا أن 35.8% من مصابي الكادر الطبي من الذكور.

وتسجل الإحصائيات اليومية لتفشي فيروس كورونا في إيطاليا وفاة طبيب واحد أو أكثر، منذ انطلاق حالة الطوارئ في 31 من يناير/ كانون الثاني الماضي، بعد تفشي الفيروس، إذ فقد 105 أطباء إيطاليين حياتهم بسبب إصابتهم بكورونا حتى 9 إبريل/ نيسان، وفق ما وثقه معد التحقيق عبر قائمة الأطباء المتوفين التي نشرت في الموقع الرسمي للفيدرالية الوطنية لنقابات الأطباء والجراحين وأطباء الأسنان.

وأغلب المتوفين هم ممارسون عامون من أطباء الأسرة ممن يعملون لمعاينة العائلات الإيطالية، إذ تصدروا لائحة الأطباء المتوفيين بـ41 حالة، يليهم طب الأسنان بـ9 أطباء، ثم القلب بـ6 ضحايا. وتتوزع بقية حالات الوفاة على تخصصات مختلفة، مثل الرئة، والأطفال، وطب النساء، والجراحة، وطب الرعاية والإنعاش وغير ذلك.

وتثير أوضاع الأطباء ممن يواجهون الفيروس على الخط الأمامي، استياء رئيس الفيدرالية الوطنية لنقابات الأطباء والجراحين وأطباء الأسنان، الدكتور فيليبو أنيلّي، الذي قال: "لقد سئمنا من الوعود، والكلمات ليست كافية. لم يعد لدينا دموع لنحزن على موتانا، ونحن مستمرون في تلقي تقارير جنودنا الأطباء ممن يحاربون الفيروس دون سلاح". وتابع: "كثيرون ممن يواصلون مساعدة المرضى يعملون دون حماية على حساب حياتهم، أغلبهم أطباء أسرة".

الدكتور فيليبو أنيلّي (يمين الصورة) وأخصائية الجراحة لوتشيا مونتانار


لماذا يتصدر أطباء الأسرة لائحة الوفيات؟

ما هو السبب المباشر لزيادة وفيات أطباء الأسرة؟ يجيب الإيطالي من أصول لبنانية، الدكتور محمد زراقط، الذي يعمل طبيبا للأسرة بالعاصمة ومختص في الأمراض المعدية والفيروسية، قائلا: "للأسف لم توفر الدولة لنا كأطباء أسرة الكمامات والملابس اللازمة للوقاية من فيروس كورونا".

ومع بدء تفشي فيروس كورونا، كان العديد من زملائه يزورون مرضاهم في مقر سكنهم أو على اتصال مباشر معهم في العيادات دون لوازم الوقاية من الفيروس، الأمر الذي أدى إلى إصابتهم، كما قال لـ"العربي الجديد".

هناك سبب آخر لتزايد الوفيات بين الأطباء، حسب الدكتور زراقط، إذ تقدم أصحاب البدلات البيضاء الصفوف الأمامية بضمير حي وبتضحية كبيرة لمواجهة الوباء، بغض النظر عن الخطر الذي يتعرضون له، في غياب المعدات اللازمة للوقاية من الفيروس.

ويعاتب الدكتور زراقط السلطات المعنية لعدم إيجاد حلول عاجلة منذ بداية الأزمة لحل مشكلة نقص المستلزمات الطبية الوقائية، قائلا: "للأسف نواجه صعوبات في الحصول على المستلزمات الطبية الوقائية. الكمامات الواقية لا تتوفر بالشكل الكافي، ما يهدد سلامتنا".

ويتطابق حديثه عن أسباب زيادة وفيات أطباء الأسرة مع تأكيد طبيب التخدير التونسي عادل شهيدة، الذي وقف على حالات مرضى كورونا بمستشفى دار العلاج فيلا بيني تشيفيتانوفا بمدينة ماركي الواقعة في الجزء الشرقي من وسط إيطاليا، والذي أكد لـ"العربي الجديد"، أن فرضية إصابة زملائه من أطباء الأسرة أكثر من غيرهم وتعرضهم للوفاة يحدث بحكم احتكاكهم بمرضاهم دون أن تتوفر لديهم وسائل الوقاية اللازمة.

الوقائع السابقة يؤكدها الدكتور أنيلّي قائلا: "مر أكثر من شهرين منذ تاريخ إعلان حالة الطوارئ الوطنية وحتى الآن ما زال العديد من الأطباء، وخاصة الممارسين العامين، وهم على خط المواجهة الأول مع الفيروس، ليست لديهم أبسط معدات الحماية الشخصية".


معضلة التحاليل المخبرية

من أسباب تفشي الإصابة بكورونا بين صفوف الأطباء الإيطاليين، عدم إجراء التحاليل المخبرية الاستباقية الشاملة لكشف المصابين، من أجل تدارك الأمر حتى لا تسوء الحالة مع تأخر اكتشافها، ما يهدد حيواتهم، كما يقول الدكتور شهيدة.

ويبلغ عدد الفحوص التي تجرى في إيطاليا للكشف عن الإصابة بفيروس كورونا 21500 اختبار يوميا، بحسب بيانات منظمة الصحة الأوروبية.



هذا الأمر يعقد الوضع ويعرض حياة الأطباء للخطر، بحسب الدكتورة لوتشيا مونتانار، التي لم تجد إجابة صريحة من إدارة مشفاها حول سبب التأخر في إجراء التحاليل لها، لكنها ترجح أن يكون سبب عدم إجراء المشافي تحاليل مخبرية لأطبائها هو كثرة الطلبات، وهو ما يؤكده زراقط، لافتا إلى أن كثرة الحالات التي تحتاج إلى التحليل يصعب معها القيام بالأمر حتى ولو كان في مختبرات خاصة، مؤكدا أن تلك المختبرات قد تغلق إذا اكتشفت فيها حالة إصابة إيجابية.

المعلومات السابقة حملها معد التحقيق وسأل طبيبة في إدارة الطوارئ الخاصة بمواجهة فيروس كورونا بوزارة الصحة عبر رقم هاتف 1500 المخصص لإرشاد المتصلين حول الفيروس، لترد بأن الكثير من المواطنين يطرحون عليها السؤال نفسه لكنها لا تتوفر على جواب دقيق، مضيفة أن التحليل لا يمكن أن يتم سوى في مختبرات الدولة أو المختبرات المرخص لها بذلك.

ويروي زراقط ما حدث مع أحد زملائه الذي شعر بارتفاع في درجة الحرارة وسعال، ما دعا زوجته إلى الاتصال بإدارة مستشفى مولينيتي بمدينة تورينو حيث يعمل، من أجل إخضاعه للتحاليل، غير أن المسؤولين لم يلبوا ندائها إلا عندما اشتد به المرض. حينها نقل إلى مصلحة الإنعاش لإجراء التحاليل المخبرية، والتي بينت أنه مصاب بفيروس كورونا، وفق قوله.

لكن فيليبو أنيلي علق قائلا: "النوايا الحسنة تصطدم أيضًا بالعقبات البيروقراطية"، في إشارة منه إلى مكتب الخازن العام للدولة (مسؤول النفقات العامة)، الذي رفض إضافة نص مقترح خاص بحماية الأطقم الطبية كما ورد في المرسوم الحكومي "كورا إيطاليا"، والذي تمت المصادقة عليه في 17 مارس/ آذار الماضي، رغم اقتراح إضافته من قبل فيدرالية نقابات الأطباء.

ويتضمن المقترح توفير أجهزة الحماية الفردية لأطباء الأسرة/الطب العام والمتخصصين والصيادلة، لكن الخازن العام للدولة رفض إضافة شراء أجهزة الحماية من كمامات وملابس، حسب قول أنيلي، الذي وصف الدولة بـ"الفاشلة"، لعجزها عن توفير الحماية للأطباء.

الطبيبان محمد زراقط (يمين الصورة) وعادل شهيدة


ما السبيل للحد من الوفيات؟

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الخطوة الأولى لحماية صحة العاملين الصحيين أثناء الوباء، هي تنفيذ جميع التدابير اللازمة لحماية سلامتهم المهنية. هذه الدباجة تتصدر توجيها عاما على بوابة المعهد العالي للصحة الإيطالي، الذي لفت إلى أنه يجب على صاحب العمل ومديري مرافق الرعاية الصحية التأكد من اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة من خلال توفير الإمدادات الكافية من معدات الحماية الشخصية بكميات كافية لمتخصصي الرعاية الصحية أو الموظفين الآخرين الذين يتعاملون مع المرضى المشتبه بهم أو المؤكدة إصابتهم. لكن الدكتورة لوتشيا تقول إن حالة الطوارئ والارتباك كانت عاملا في عدم التزام البعض بالتوجيه، إضافة إلى قلة وسائل الوقاية اللازمة، مثل الكمامات من نوع FFP2 وFFP3.

وبالنظر إلى تجربة لوتشيا، فلا بد من حصول الطبيب غير العامل في قسم كوفيد 19 على كمامة من نوع FFP3 وليس فقط من يعمل في العناية بمرضى كورونا، حسب قولها. ويكمن الحل بنظر لوتشيا وزراقط، في إجراء تحليلات مخبرية على كل الأطر الصحية، كما فعلت جهة فينيتو، شمالي إيطاليا.


خطورة الوضع السابق أدت إلى قيام كثير من الأطباء بالسكن في بيوت معزولة بعيدا عن أسرهم حتى لا ينقلون إليهم الفيروس، كما يقول الطبيب شهيدة، خاصة أنهم عرضة لمستوى عالٍ من الضغط النفسي والبدني في ظل غياب التدابير الوقائية، لذلك يتم تنظيم اجتماعات في بعض المستشفيات الإيطالية بمشاركة أطباء نفسيين، من أجل تقديم خدمات الدعم في مجموعات صغيرة، أو مقابلات فردية لمن يواجهون الفيروس، خاصة أن بعضهم يعانون بسبب البعد عن الأسرة، والتغيرات الطارئة على ممارسات العمل، والتعب الجسدي المرتبط باستخدام الكمامات وباقي أجهزة الحماية، كما تقول الأخصائيتان النفسيتان سيلفيا ما سكولو وفرانشيسكا تارديو، اللتان أطلقتا مبادرة "بسيكوليكي" لدعم زملائهما.

ذات صلة

الصورة

مجتمع

قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، اليوم الثلاثاء، إنّ سلطات جماعة الحوثيين في اليمن تحجب المعلومات حول مخاطر فيروس كورونا وتأثيره، وتقوّض الجهود الدولية لتوفير اللقاحات في المناطق الخاضعة لسيطرتها، شمالي وغربي البلاد.
الصورة
وقفة للكوادر الطبية في إدلب (العربي الجديد)

مجتمع

نظمت كوادر طبية في شمال غرب سورية، الاثنين، وقفة احتجاجية للتعبير عن رفض انتخاب النظام السوري عضواً في المجلس التنفيذي بمنظمة الصحة العالمية، متسائلين عن المعايير التي تتبعها المنظمة الأممية.
الصورة
أبرز الجزر السياحية التي نأت بنفسها عن فيروس كورونا

اقتصاد

على الرغم من أن فيروس كورونا لم يترك مكاناً إلا وكانت آثاره واضحة، سواء من خلال عدد الإصابات أو من خلال الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الجائحة، إلا أن دولاً على الخارطة العالمية كانت بعيدة نسبياً عن الفيروس.
الصورة
غزة

تحقيقات

يستهدف جيش الاحتلال الجبهة الداخلية في غزة نفسياً، عبر أساليب تتكامل مع الضربات العسكرية، من بينها بثّ عملائه للشائعات، ويستخدم أيضاً إعلامه ضمن أدوات الصراع، مستغلاً أزمات القطاع المحاصر، لإرباك أداء الأجهزة الحكومية