ضاحي خلفان سحّيجاً

ضاحي خلفان سحّيجاً

03 فبراير 2017
الصورة
+ الخط -
عندما يغنّي موفق بهجت "يا صبحة.. هاتي الصينية"، يكون معه ثلاث شاباتٍ يتناوبْن على التمايل بجانبه، وثلاثةُ راقصين بسراويل وقمصان وحطّاتٍ كلها بيضاء، ينطّون ويهزّون أكتافهم، ويصفقّون ويسحّجون. والتسحيج لغةً هو الإفراط في التصفيق مع انحناءة الرأس والبدن بانتشاء، وقد تقترب الإنحناءةُ من الجثوّ أحيانا، مع تصفيقٍ شديد، يختلف عن التصفيق التقليدي، إذ يتم ببسط كفّي اليدين وضمّ الأصابع. والتسحيج شائعٌ في الأعراس الشعبية في أرياف بلاد الشام وبواديها. أما الذائع بين الإعلاميين وأوساط السياسيين، فإن التسحيج يعني التزيّد في النفاق والتزلّف، فالأذرع الإعلامية، بحسب تسمية إخوتنا المصريين دراويش عبد الفتاح السيسي، هم سحّيجةٌ في نعتٍ آخر، لدأبهم على التطبيل والمداهنة للمذكور. ولا يقتصر التسحيج على من أراد مزاولته من أهل الإعلام، بل يبادر إليه أيضاً آخرون، استرزاقاً واستنفاعاً أو تطوّعاً قطيعياً. والحادث في "تويتر"، مثلا، أن كثيرين فيه ينشطون في "التسحيج" لهذا المسؤول أو ذاك، لهذه الحكومة أو تلك، تظهيراً لولاءٍ مستحكمٍ فيهم، أو رغبةً في إبداء مرجلتهم وزعرنتهم، أو تملقاً مجانيّا، أو لمجرد دسّ الأنف فيما لا يعرفون، أو لإبداء "مفهوميّةٍ" لديهم، يُغايرون فيها باقي خلق الله. 

تجتمع هذه الأصناف من التسحيج، وأخرى غيرها، في ضاحي خلفان. هو مقيمٌ في "تويتر"، ومواظبٌ على بث تسحيجاته التي تتوفّر على أرطالٍ من أمارات نبوغه، فلم يعد مجرّد شخصٍ، كان قائد شرطة دبي ثلاثة وثلاثين عاماً، قبل أن يُعيّن نائب رئيس الشرطة، وعضوا في المجلس التنفيذي لحكومة دبي، وإنما صار "حالةً". ذلك أنه يتألّق في تسحيجه، فما أن قال السيسي، مثلاً، إن ثلاجته لم يكن فيها غير الماء عشر سنوات، حتى سارع ضاحي إلى تسحيجٍ رفيع النوع، إذ سحّج في "تويتر" إنه عاش عشرين عاما من دون أن تكون لديه ثلاجة. أما دأبُه على التسحيج ضد الإخوان المسلمين منذ أربع سنوات، فإنه بذلك لا يُماشي الهوى العام لحكومة بلاده فحسب، وإنما يختبر قدراته على الجثوّ أوْطى فأوْطى باتجاه الأسفل. وأن يُشيع مسلكُه هذا، بشأن "الإخوان" وغيرهم، الهزل منه كما نرى ونتابع، فذلك، في عُرفه، لا يستحقّ منه اكتراثا، فهو لا يفعل غير التحذير أمنيا من مخاطر هؤلاء الناس الذين يريدون إسقاط أنظمة دول الخليج، بحسب واحدةٍ من تسحيجاته. كما أن حرصه على سورية هو ما يدفعه إلى إشهار خوفه من أن تسقط في يدهم، بحسب تسحيجةٍ أخرى.
شذّت الحالة المسمّاة ضاحي خلفان، أخيراً، عن الملايين من خلق الله في الأرض، في تسحيجةٍ جديدةٍ، عندما لم يكتف بتأييد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منع دخول مواطني ست دول عربية وإيران الولايات المتحدة، وإنما زاول ضرباً مبتكراً من التسحيج، فأقدم، في "تويتر"، على ازدراء مواطني هذه الدول، فليس للولايات المتحدة حقٌّ في حماية أمنها فحسب، على ما سحّج، لا فُضّ فوه، وإنما ليس عليها بالضرورة أن تستقبل شعوباً متخلفة. وزاد على هذا الكلام كلاماً آخر يعفّ القلم هنا عن كتابته، قبل أن يحيّي الرئيس ترامب على قراراته "الشجاعة". وكان الظن أن الرجل وتسحيجاتِه لا يُؤخذان على محمل الجد، لولا أن متحدّثا باسم وزارة الخارجية العراقية آثر الردّ عليه، فنعته بأنه مهرّج، ولولا أن نواباً كويتيين انشغلوا مرّة به، وطالبوا حكومتهم بموقفٍ منه، بعد أن سحّج أن بلدهم يدعم "الإخوان الإرهابيين".
أصابَ الفلسطينيين كثيرٌ من صاحبنا هذا، فقد سحّج مرّةً مقترحاً عدم قيام دولة فلسطينية. وفي أخرى، سحّج منتقداً أن يستكثر العرب دولةً على إسرائيل، فيما لديهم 22 دولة. وبمثل هذا المستوى من الرقيّ في أفكاره، داوم بهمّةٍ لم تفتر على إطلاق تسحيجاتٍ بلا عدد، بشأن شعوب وبلدان ومثقفين وسياسيين ودعاة، كشف فيها عن تألقٍ ما انفكّ يزيد، تسحيجةً بعد أخرى، في "تويتر". والدعوة هنا إلى تثمين التجديد الذي أحدثه الفريق ضاحي خلفان في التسحيج، من النوع البعيد طبعاً عن تسحيجات أعراس أريافنا، وعن تسحيج أولئك الثلاثة الرائقين في أغنية موفق بهجب الخالدة.