صيد غزة ملوّث

06 سبتمبر 2017
الصورة
الصيد عمله الوحيد (محمد الحجار)
+ الخط -
الصيد هو مهنة عدد من أهالي غزة، والسمك وجبة رئيسية. إلا أن تلوث البحر يهدد صحة الغزيين من جهة، ولقمة عيش الصيادين من جهة أخرى

تشتهر مدينة غزة بصيد الأسماك، والتي هي من أهم الأطباق التي تقدّم على موائد الغزيّين والزوار أيضاً. لكنّ هذه الثروة ليست ملكاً للصيادين بشكل تام. فهؤلاء مقيّدون في مساحة صيد صغيرة، ولا يسمح الاحتلال الإسرائيلي لهم بتجاوزها. ويبقى أمام الصياد مسافة 9 أميال فقط للصيد. في المقابل، فإنّ بحر قطاع غزة ملوّث، في ظلّ توقّف عدد كبير من محطات معالجة مياه الصرف الصحي عن العمل.

وفي النتيجة، تغيّر لون البحر ورائحته. مع ذلك، ينتشر الصيادون في البحر ويصطادون الأسماك. لكن كيف يأكل الناس أسماكاً تعيش في بحر ملوّث؟ يقول مدير دائرة التوعية البيئية في سلطة جودة البيئة، أحمد حلس، والذي أعدّ دراسات حول تلوث البحر، إن التلوّث يساهم في إصابة الناس بالبكتيريا والطفيليات التي تؤثر على صحة الإنسان. ويوضح أن انتشار الطحالب وتغير لون البحر دليلان على التلوث.

وبحث حلس مدى تأثّر الثروة السمكية بتلوث البحر في عام 2014، الذي شهد بداية مشكلة التلوث. وبحسب تقرير لمصلحة بلديات مياه الساحل في غزة، فإن نسبة التلوث تقدّر بـ 60 في المائة. ويقول حلس إن الأسماك تتغذى على مياه الصرف الصحي، مشيراً إلى أن الواقع ما زال على حاله بعد كلّ النداءات التي أرسلها إلى الجهات المتخصّصة لوضع حلول، في ظلّ اشتداد الأزمة في عام 2017. ويشير إلى أنّ الأسماك تحمل معادن ثقيلة، وهو ما يؤثّر على صحّة الإنسان. يضيف أن "الأسماك تنجذب إلى المواد التي تحملها مياه الصرف وتعتبرها مصدر غذاء لها، لكن هذه المياه تحتوي على مواد سامة".

يصطادون (محمد الحجار) 


دراسات حلس، على مدار ثلاث سنوات، بيّنت وجود طفيليات ومواد كيميائية تعيش مع الأسماك التي تُصطاد. كذلك، يوضح أنّها تحمل مواد النيكل والكادميوم والكوبالت والزرنيخ والحديد والنحاس، ما قد يزيد من نسب إصابة الإنسان بأمراض السرطان. وبحسب دائرة المياه في بلدية غزة، فإن كمية كبيرة من مياه الصرف الصحي تضخ يومياً في البحر من 13 مضخة، من رفح جنوباً حتى بيت لاهيا شمالاً، وغالبيتها غير معالَجة. كذلك، تُرمى نفايات المنازل والمصانع والمتاجر.

إلى ذلك، يقول الصيّاد أحمد أبو الخير، الذي يصطاد على مسافة 9 أميال في البحر، إنه وزملاءه تلقوا تحذيرات بعدم الاصطياد على مسافة قريبة من الشاطئ، وقد شارك في ورشة توعية حول مخاطر الصيد قرب مصبات الصرف الصحي أو الشاطئ. ويلفت إلى أن سمك "البوري" هو أحد الأنواع الرئيسية التي يعتمد أهل غزة عليها في غذائهم، لكنه يتغذى على الفضلات. ويوضح لـ "العربي الجديد" أنّ الأسماك الموسمية لا تتغذّى على التلوّث الذي يملأ بحر غزة، لكنّ المشكلة أنّ بعض الصيادين لا يستطيعون التوقف عن الصيد لتأمين لقمة عيشهم.

بقيت أسماك صغيرة للغزيين (محمد الحجار) 


وتحذّر وزارة الزراعة والثروة السمكية في غزة، الصيادين من الاصطياد في مناطق مكبات النفايات. وقد عمدت الشرطة، بالتعاون معها، إلى اعتقال عدد من هؤلاء الصيادين، الذين يتوجهون إلى المناطق القريبة من مضخات النفايات أو تلك التي يُمنع الاصطياد فيها. وقد وقّعوا على تعهّد بعدم الاصطياد في المناطق نفسها مرة أخرى. ويقول عضو نقابة الصيادين في غزة، مفلح أبو ريالة، لـ "العربي الجديد": "أحياناً، وبسبب المعاناة، يهتمّ الصيادون باصطياد الأسماك من أية بقعة، حتى أنهم يصطادون سمك البزرة، وهو محرّم دولياً". ويلفت إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يعدّ سبباً رئيسياً لكوارث البحر، في ظلّ إجبار الصيادين على التقيّد بمساحة ملوثة وصغيرة، مضيفاً أنّ بعض الصيادين يجازفون بالدخول إلى مناطق أكثر عمقاً. إلا أن مراكبهم تتعرض لإطلاق النار، أو يصادر بعضها. وأحياناً، يصاب صيادون، وقد استشهد الصياد محمد بكر (28 عاماً) في منتصف شهر مايو/أيار الماضي.

وفي ظل هذا الواقع، لجأ البعض إلى إطلاق مشاريع المزارع السمكية. ويعمد كل صاحب مشروع إلى إحضار أسماك صغيرة أو بيض الأسماك، وتزويدها بمياه تحتوي على موالح ومعادن مفيدة لنمو الأسماك، إضافة إلى أعلاف مناسبة تُسرّع في نموها. وأحد القائمين على هذا المشروع هو المهندس أيمن شملخ، الذي يملك مزرعة أسماك على مساحة 250 متراً مربعاً.

المياه ملوثة (محمد الحجار) 


يقول لـ "العربي الجديد": "الحياة في بحر غزة باتت معدومة، والأسماك صغيرة وضارة. لذلك، أطلقت مشروعي ووجدته مكلفاً. لكنه في الوقت نفسه منتج، ويغطي حاجة المجتمع من الأسماك، كما أنه حل مناسب لمشكلة تلوث البحر".

المساهمون