صورة جديدة لـ"الديكتاتور"

29 ابريل 2018
الصورة
أكثر ما لفت الأنظار في القمة الكورية التاريخية يوم الجمعة الماضي، هو زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، والذي بدا بشوشاً ودوداً منفحتاً على طي صفحة الحرب الطويلة بين كوريا الشمالية وشقيقتها الجنوبية، والتي امتدت 65 عاماً. كذلك كانت مبادرته إلى دعوة الرئيس الكوري الجنوبي، مون جاي إن، إلى العبور إلى الشطر الشمالي محط تعليقات محطات التلفزة ووكالات الأنباء التي بدأت تتحدث عن كيم جونغ أون بشكل مغاير تماماً لما كان عليه الأمر قبل أشهر قليلة، حين وصل التوتر بين بيونغ يانغ والغرب إلى ذروته، وكانت الأزمة على وشك أن تتفجر حرباً إقليمية، وربما عالمية.
لم يقتصر الحديث عن صورة الزعيم الكوري الشمالي على وسائل الإعلام، بل امتدت إلى وسائط التواصل الاجتماعي، حيث أجمعت الآراء على أنّ أون قدّم صورة جديدة لنفسه مختلفة تماماً عن التي كانت رائجة عنه، والمشكلة أساساً من البروباغندا الغربية عموماً، والأميركية خصوصاً، والتي كانت تبث أخباراً عن تصرفات الزعيم الكوري الشمالي لم يكن من الممكن التأكد من صحتها.
غير أن هذا لا ينفي بالتأكيد أن كيم جونغ أون لا يزال ديكتاتوراً، وأن كوريا الشمالية هي أكبر دولة شمولية في العالم، وأن الإغلاق الذي يمارسه نظامها غير مسبوق. قد تكون كل الروايات الغربية التي سيقت عن أون غير صحيحة، لكن المؤكد أن هناك روايات صحيحة وموثّقة عديدة، وتشير إلى أن النظام الكوري الشمالي، من الجد كيم إيل سونغ مروراً بالأب كيم جونغ إيل وصولاً إلى الابن كيم جونغ أون، ارتكب، ولا يزال، انتهاكاتٍ عديدة في الداخل الكوري الشمالي وخارجه. ولعل اغتيال الأخ غير الشقيق للزعيم الكوري الشمالي أخيرا في ماليزيا كان من جديد هذه المحطات، خصوصاً أن أصابع الاتهام وجهت إلى بيونغ يانغ في الجريمة.
لم تكن الاعتراضات الغربية على النظام الكوري الشمالي يوماً بناء على هذه الممارسات، ولا حباً بالشعب الكوري الشمالي، والسعي إلى حريته، بقدر ما أنها ناجمةٌ عن التهديد الذي كانت تسببه بيونغ يانغ للجوار بفعل تجاربها الصاروخية، وعدم قدرة الدول الغربية على تدجينها، إذ لا مانع من كل الممارسات التي يقوم بها النظام داخلياً ما دام لا يشكل تهديداً، ويلتزم بالسياسات التي ترسمها الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وهناك أمثلة كثيرة عن احتضان الغرب، سابقا وحالياً، أنظمة ديكتاتورية تسير في ركبها، من دون اكتراث لمعايير الحرية والديمقراطية.
قد يكون كيم جونغ أون وخطواته أول من أمس إلى كوريا الجنوبية، في أول الطريق للانضمام لهؤلاء المجموعة من الديكتاتوريين، الأمر الذي يستدعي تشكيل صورةٍ جديدةٍ له، بدأت من الحدود الفاصلة بين شطري الكوريتين، والمؤكد أنها ستستكمل في القمة المرتقبة بينه وبين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. ولا شك في أنها ستكون قمةً حبلى بمشاهد ولقطات عديدة، أكثر بكثير من التي شهدتها القمة بين الكوريتين، خصوصاً في حال قرر الرئيس الأميركي ممارسة هوايته في الخروج عن النص بالمصافحة وحركات الجسد والهزل، وهو ما ربما سيرد عليه أون "البشوش" بالمثل. وفي حال استمر السياق الذي تسير فيه الأمور نحو التصالح وإنهاء الحرب ونزع الأسلحة النووية والتقارب مع الغرب، فإن ختام الصورة الجديدة لكيم جونغ أون ستكون على منصة جائزة نوبل للسلام، بوصفه "القائد الشجاع الذي ضحّى من أجل السلام".
لا يمكن نكران أن الخطوة الكورية الشمالية على قدر كبير من الأهمية والشجاعة، في حال استكمالها، إلا أن هذا لا يمكن أن ينزع صفة الديكتاتورية عن أون، لكن ربما يضيف لها صفة أخرى، وهي "الديكتاتور الودود" المحبب للغرب.