صلاح عرفات... احتضان ألماني لنصف قرن

17 يونيو 2018
الصورة
تحقيق الأحلام في الغربة يتطلب تضحيات (العربي الجديد)
+ الخط -

لم تكن حياة صلاح عرفات في المهجر الألماني سهلة ولا متيسرة، فقد جاء إليها طالبا، هو الغزي، محاولا أن يجد موطئ قدم، وهذا ما تأتى له بعد رحلة كفاح، تشبه رحلات الكثير من أقرانه من المهاجرين والطلاب العرب في تلك الفترة.

يقول لـ"العربي الجديد": "في تلك الأيام، كنت أسجل لمكالمة هاتفية وأنتظر لساعات وربما يوم كامل، حتى يأتي دوري، لأتحدث هاتفياً مع أهلي. أصعب ما في النكسة واحتلال غزة كان أن أجد نفسي غير قادر على رؤية أهلي وأصدقاء الطفولة. أثر ذلك بي مثلما أثّرت وفاة أمي، دون أن أتمكن من المشاركة في الدفن أو رؤيتها منذ خروجي من القطاع إلى مصر أولا ثم ألمانيا"، بتأثر يشرح عرفات أيامه التي تلت احتلال قطاع غزة وهو في غربة.


في عام 1971 وجد العشريني الفلسطيني صلاح عرفات نفسه مدفوعا بطموح استكمال الهندسة الإلكترونية أمام لغة أخرى، وإن كان يجيد الإنكليزية "لكنك ستحتاج للألمانية حتى وإن كنت ستعمل في مطبخ مطعم تحضّر للطاهي المواد الغذائية وتجهزها". لا يتردد عرفات خلال حديثه مع "العربي الجديد"، في أن يخوض في تلك البداية البرلينية الجديدة "ليس هناك من تحقيق لأهدافك، وخصوصاً في الغربة، دون أن تجهد وتضحي وتواجه التحديات بتفاؤل. لم يمنعني استكمال دراسة الهندسة في مصر من أن أواصل طريقي في ألمانيا، كمرحلة أولى في استكمال الماجستير والاعتماد على الذات ماليا، بعدما تكفل أخواي في الكويت وليبيا بتكاليف الدراسة في القاهرة، وتعلم اللغة قبل كل شيء والعمل في البناء، أحمل الخشب والطوب وأساعد في المعمار لأجل أن أؤمن مصروفي". لم ير عرفات في عمله ذلك ما هو غير طبيعي "بل أكثر من عادي أن يقبل الإنسان عملا يعتاش منه وهو يعمل لهدفه في تطوير حياته المهنية والأكاديمية".

يسميها "سنة الكفاح"، هي السنة الأولى في ألمانيا، ففيها وجد هذا المهندس نفسه يعمل في مطبخ المطعم "كنت أنكب على اللغة، وأسأل الطباخ عن هذه وتلك في كتاب المدرسة، فمن الخامسة مساء حتى الحادية عشرة في المطعم، ونهارا من الثامنة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً في المدرسة لتعلم اللغة. وحين تطورت لغتي، بدأت أفكر بتطوير عملي، لأنتقل من المطاعم وجلي الأواني وتقطيع الخضروات إلى الاستقبال في فندق". في تلك المرحلة كان صلاح عرفات قد بدأ مشواره مع الماجستير في برلين مع الاحتفاظ بعمله في الفندق "فأنت مضطر للعمل لأجل مصروفك وتكاليف حياتك ودراستك. كنت أعمل من مساء الجمعة حتى فجرالأحد في الاستقبال ليليا، وبقية الأيام دوام جامعي ودراسة. قبل أن أنهي دراسة الماجستير بسنة كنت قد تزوجت".


لم يقف اسمه عائقا أمام احتلال منصبه في شركة "سيمنس" فور تخرجه، ليصبح موظفاً رسمياً كمهندس اختبارات في الشركة الألمانية الرائدة في مجال الإلكترونيات. ثلاثة أعوام قضاها عرفات مع هذه الشركة "وأمر طبيعي أن يحاول الإنسان تطوير وضعه المهني والمادي، فانتقلت إلى شركة أميركية متخصصة في مجال تطوير التقنيات الحديثة، فايرتشايلد". في تلك الشركة يحتل عرفات منصب "مهندس الإنتاج" في فاسابورغ. أخذه ولعه في مجال الهندسة الإلكترونية إلى "ماترا" الفرنسية، المتخصصة في الإلكترونيات والأقمار الاصطناعية وغيرها من المنتجات الحساسة والدقيقة. في ماترا هاريس تطور وضع هذا المهندس الفلسطيني - الألماني ليصبح "مهندس التطوير" فيها، فانكب على عمله في التصميم والتطوير للدارات الإلكترونية الدقيقة، واعتبر أحد رواد شركته تلك لأحد عشر عاما في مجال التصميم والتطوير.

تطور موقعه حتى أصبح يحتل منصب رئيس قسم التصميم في فرع ميونخ للشركة الفرنسية مارتا هاريس. خبرته تلك أهلته لأن يتوسع في مجاله إلى أن يصبح جزءا من عقود مع شركات أميركية ضمن مارتا، ليحتل لاحقا ولمدة عشرة أعوام منصب "الإدارة الأوروبية" في الحقل الهندسي والتسويق التقني ضمن شركته.

على عكس السائد عن وجود "تمييز" في السوق الألماني، يقول عرفات "بعد تجربة 46 سنة قضيتها مع المجتمع الألماني، إن كنت متعلما وتحمل شهادة وكفاءة وتجيد في مجالك، فلا أحد يفرق بينك وبين آخر، ما يتوقعونه منك أن تكون فعالا ولديك قابلية العمل مع الجماعة ومتفهما لظروف العمل. لا يمكنك أن تكون في ألمانيا وتتصرف مع زملائك بانسحاب وانطوائية في العمل. الانفتاح والقدرة على الليونة أمر مهم لاحتلال منصبك واكتسابك الاحترام". يتحدث عرفات استناداً إلى خبرته عن أنه في الحياة الشخصية لا أحد له علاقة في ما تفعل، فكل ما يهم الألمان والشركات الموظفة أن يجيد الإنسان ثقافة سوق العمل، واللغة أساس، إلى جانب الشهادات العلمية المؤهلة لأي عمل كان.

يجزم عرفات بأنه "لا دخل للأصل أو عدم قدرتهم على نطق اسمك الأجنبي باحترامك بينهم وتقدير مكانتك حين تكون لديك قابلية للاندماج، ومعنى الاندماج في العمل أن تقبل أن تكون جزءاً من العمل كفريق، هم يتوقعون منك أن تكون مرنا في التفكير. كنت أنا مسؤولا عن توظيف أناس في الشركة، ولم أواجه مرة أي عنصرية أو نظرة سلبية، فحين أسأل حتى الألمان الذين نريد توظيفهم في المقابلات أركز على قدرة الشخص على الاندماج وقابلية العمل الجماعي". 


بالنسبة لصلاح عرفات فهو يعتبر ألمانيا "بلدي كما هي غزة. لقد عشت هنا أكثر مما عشت في غزة بمرتين حتى الآن، وقدمت لي ألمانيا الكثير". ينتقد عرفات "الانغلاق الذي يحصل على طرفي الثقافة الألمانية والمهاجرة، فالانغلاق يجعل الناس متمترسة في المشاهد السطحية، فخذ مثلا النقاش حول الحجاب، هناك البعض لا يرى في الحجاب إلا المنظر، أي لا يرون ما في الدماغ ولكن ما تحته، وفي المقابل هناك من يتخندق وراء الحجاب باعتباره معيقا للعمل، وهذه كلها أخطار في التقدير يجري ارتكابها عن جهل".


جسر ثقافي
مع قدوم اللاجئين، والذين يقدرون بنحو مليون خلال السنوات الماضية، انخرط صلاح عرفات في محاضرات موجهة للألمان حول الخلفية "الثقافية والدينية" لهؤلاء العرب الذين يقابلونهم في يومياتهم، "فقلة المعرفة بتفسير الكثير من الظواهر على أنها دينية، وهي في الحقيقة عبارة عن عادات وتقاليد، تضع الطرفين في مأزق". وبالرغم من أنه اليوم في طريقه إلى العقد السابع من عمره لا يزال صلاح عرفات (69 سنة) يقود دراجته الهوائية في ميونخ، ويعيش منسجما وبحيوية ورضا عن حياته التي استمرت في ألمانيا 46 سنة حتى يومنا. خلاصة ما يخرج به في محاضراته للألمان في بافاريا، من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية، وعمله مع اللاجئين لثلاثة أعوام حول المجتمع الألماني يختصرها قائلا "كل ما يمكن عمله هو التعرف على قيم المجتمع الذي نعيش فيه، فمن المهم لحياة منسجمة ومتكيفة مع الواقع الجديد تحتاج فقط لجهد بسيط بالتعرف على ثقافة وقيم المجتمع الذي نقيم فيه. ومعرفة الألمان بخلفيات وعادات وثقافة ودين اللاجئين قد تردم الفجوة أو تقللها بدل الشحن المستمر".

المساهمون