صفقة ترامب وحماية المشروع الوطني الفلسطيني

30 يناير 2020
الصورة
بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أخيراً خطته، الصفقة، للسلام في الشرق الأوسط، في البيت الأبيض بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ومع الانحياز الأميركي المطلق إلى المواقف الإسرائيلية إزاء القضايا الفلسطينية الجوهرية، القدس والاستيطان واللاجئين والدولة الفلسطينية، بات المشروع الوطني الفلسطيني، ومعه القضية الفلسطينية، في مواجهة خطر التصفية، حيث يرتكز المشروع الوطني الفلسطيني على موشور قوامه وحدة الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية وفي الشتات، فضلاً عن الانتماء إلى فلسطين وطناً تاريخياً ووحيداً لشعبها، والتمسّك بالهوية الوطنية الفلسطينية في مواجهة المشروع الصهيوني الذي توّج بإنشاء إسرائيل عام 1948 على القسم الأكبر من مساحة فلسطين التاريخية، وتالياً احتلال باقي الأراضي الفلسطينية في يونيو/ حزيران 1967.
لمواجهة صفقة ترامب وإسقاطها، ثمّة ضرورة ملحّة لوضع أسس جدية لإنهاء حال الانقسام الفلسطيني المريرة، ووضع أسس لترسيخ الوحدة الوطنية، والاتفاق على توجهات كفاحية مشتركة، خصوصاً أن الرهان على استمرار المفاوضات تلاشى. فبعد مضيّ 27 عاماً على اتفاقات أوسلو (إعلان المبادئ بين منظمة التحرير وإسرائيل)، يتضاعف النشاط الاستيطاني بشكل ملحوظ، سواء في مقياس مصادرة الأراضي أو بناء المستوطنات في الضفة الغربية، ومن بينها مدينة القدس التي تتعرّض لأكبر هجمة استيطانية منذ 1967. وارتفعت وتيرة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي بعد قرار ترامب نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.
ستكون وحدة الصف الفلسطيني مقدمة أساسية لتجميع القدرات الكامنة لدى الشعب الفلسطيني، 
لمواجهة التحدّيات التي تعصف بالمشروع الوطني، وفي مقدمة هذه التحديات "صفقة القرن" التي رفضها الفلسطينيون، شعباً وفصائل، فضلاً عن الرفض الفلسطيني للسياسات الإسرائيلية الرامية إلى إخراج فكرة يهودية الدولة إلى حيّز الوجود. ومن التحدّيات الأخرى التي يواجهها الفلسطينيون، ضرورة العمل على فكّ الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، وإيجاد سبلٍ للانطلاق بتنميةٍ مستقلةٍ تدفع في اتجاه الحد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، مثل البطالة التي وصلت معدلاتها إلى 60% في قطاع غزة، ونحو 30% في الضفة الغربية. وقد يكون من باب أولى العمل على فتح أسواق عربية، من شأنها الحدّ من الهيمنة الإسرائيلية على التجارة الخارجية للضفة الغربية وقطاع غزة، إذ تسيطر إسرائيل على 90% من إجمالي التجارة الخارجية، بشقّيها (الصادرات والواردات). ومن شأن المساعدات العربية، بديلاً للمساعدات الغربية المشروطة سياسياً، أن تعزّز خطوات حصول تنمية فلسطينية مستقلة بالمعنى السيادي عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي أوقعت الاقتصاد الفلسطيني في شرك المساعدات الأميركية والأوروبية، المرهونة أساساً بتوجهات المتبرّعين المشروطة، التي لم يتحسّسها الشعب الفلسطيني. وقد تمكّن المساعدات العربية الاقتصاد الفلسطيني من تحسين أدائه، وتحقق نمواً يلبي الحاجات الفلسطينية، عبر فتح قنوات تشغيل وإيجاد قنوات لاستثماراتٍ جديدة، من شأنها فتح فرص عمل لآلاف من القوى العاملة الفلسطينية المعروضة في السوق الفلسطيني. كذلك يمكن تعزيز الاعتراف بدولة فلسطين في مزيدٍ من المؤسسات الدولية، إذا استطاع الفلسطينيون ترسيخ المصالحة بالأفعال، وليس بالأقوال، ومن ثم التوجه بخطاب سياسي دبلوماسي موحد ممنهج ومدروس، بعد وضع برنامج واستراتيجيا كفاحية مشتركة من دون إقصاء للشخصيات الاعتبارية، العلمية والاقتصادية. ولا يمكن أن تكتمل دائرة المصالحة الحقيقية من دون تفعيل دور منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وسيكون ترسيخ المصالحة الحقيقية بمثابة طوق نجاةٍ للحد من الضغوط الأميركية والإسرائيلية المرتقبة بعد الرفض الفلسطيني صفقة ترامب وبنودها الرامية إلى تصفية الحقوق الفلسطينية.
بعد ترسيخ المصالحة الفلسطينية، والاتفاق على سبل كفاحية مشتركة، يمكن الارتقاء في الخطاب 
السياسي الفلسطيني، بعد مفاوضاتٍ عبثيةٍ امتدت أكثر من عقدين، بحيث يكون من السهولة بمكان المطالبة بتفكيك معالم الاحتلال، ومنها المستوطنات وجدار الفصل العنصري العازل، عوضاً عن تجميد النشاط الاستيطاني. كذلك يمكن المطالبة بتطبيق قرارات دولية صادرة ذات صلة بحقوق الفلسطينيين، ومنها القرارات المتعلقة باللاجئين والقدس والأسرى والسيادة على المياه الفلسطينية التي تسيطر عليها إسرائيل، واعتبار المستوطنات غير شرعية، خصوصاً أن هناك قبولاً بعضوية فلسطين في منظمات عدة تابعة للأمم المتحدة. وقد يكون الأجدى للفلسطينيين، في المدى المنظور، المطالبة بتدويل ملفاتٍ عدّة، وخصوصاً قضية المستوطنات. ويبقى الأهم ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني، والاتفاق على سبل كفاحية محدّدة لمواجهة التحديات والأخطار التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني، بعد إعلان صفقة ترامب أخيراً.