صفعة اعتذار "التلغراف"؟

صفعة اعتذار "التلغراف"؟

22 يونيو 2020
+ الخط -
اغتبطت صحافاتٌ ومواقعُ ومنصّاتٌ إماراتيةٌ ومصريةٌ بلا عدد، لمّا نشرت صحيفة تلغراف البريطانية، في أغسطس/ آب 2019، تقريرا أورد أن ارتباط مؤسسة نكتار البريطانية الخيرية بحمعية قطر الخيرية يجعلها في موضع شبهةٍ بدعم أنشطةٍ إرهابية، بالنظر إلى أن الجمعية القطرية مدرجةٌ في قائمة كيانات إرهابية أشهرتها دولٌ في الخليج. وإذا تتصفح مواقع البحث في هذا الأمر، تصاب بالذهول الفادح من فرط حضور تقرير الصحيفة البريطانية في ذلك الإعلام الذي أقام ما يشبه "فرح العُمدة" (بتعبير أشقائنا المصريين)، للنبأ الذي يسند دعاوى أبوظبي والقاهرة والرياض (والمنامة أيضا) عن دعم الدوحة الإرهاب. وبعيدا عن نُقصان الأمانة في إشاعة القائمين على تلك الوسائط الإعلامية، والمنصّات الإلكترونية، ما جاءت به "التلغراف"، واللتّ والعجن فيه، وبعيدا أيضا عن استعادتهم ما عدّوه كشفا يفوق اختراع البارود أهميةً، جاء به صحافيان فرنسيان في كتابٍ لهما سمّياه "أوراق قطر"، وزعما فيه إن جمعية قطر الخيرية غيّرت اسمها في بريطانيا إلى "نكتار تراست"، "للتهرّب من ملاحقات دعمها وتمويلها التطرّف"، وبعيدا أيضا وأيضا عن تعمّد القفز عن أن الجمعية القطرية الشهيرة (تأسست في 1992) تتمتّع بالعضوية الاستشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، وأن هذه العضوية لم يخْدشها افتراء دول الحصار ذاك، بعيدا عن هذا كله، على أهميته في إعداد مادة إخبارية يعتدّ بها، في الوُسع التسامح معه، وتسويغ فرحة أولئك بشحطهم الذئب من ذيله، لمّا أفرحتهم "التلغراف" بما أفرحتْهم به، بأن معارك الاستقطاب الإعلامي الحادّة تجيز إغماض الأعين عن الذي نقوله هنا، طالما أن بين اليدين حجّة (وأي حجة!)، أن صحيفة بريطانية، عتيدة المكانة والقيمة، ذكرت ما ذكرت.
لم يستشعر أولئك الموظفون في وسائط الإعلام تلك، وبعضُهم يُحاضِر في مصداقية الصحافة (!)، أي خجلٍ، أو أي قسطٍ من الحياء، وهم يعتصمون بالخرس، عندما يتجاهلون اعتذار "التلغراف" عن كل ما طبّلوا له ورقصوا عليه. لم ينشر أيٌّ منهم سطرا واحدا مما بادرت الصحيفة البريطانية نفسها إلى إيضاحه، وقد مضى عليه أكثر من أسبوع. وموجز المسألة أنها نشرت، كما قرأنا في موقعها الإلكتروني، يوم الأحد الماضي، 14 يونيو/ حزيران الماضي، اعتذارا صريحا لمؤسسة نكتار، ومجلس أمنائها، عمّا نشرته سابقا عنها، في أغسطس/ آب 2019، (وكذلك في أكتوبر/ تشرين الأول عن صلة امرأة قتلت في هجوم على سجن جهادي تعمل لصالح المؤسسة). وأفادت، في اعتذارها، بأنه ليس لتصنيف دول معينةٍ جمعية قطر الخيرية إرهابيةً مكانةٌ قانونيةٌ في المملكة المتحدة، إذ لم يصدر عن جهة محلية، أو عن الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي. ومما جاء في نص الاعتذار (.. بناءً على توجيهٍ من لجنة المؤسسات الخيرية، وافقت مؤسسة نكتار على تنويع مجلس أمنائها في عام 2015. وعلى هذا النحو، فإننا نقبل أنه لا يوجد سببٌ للتشكيك في استقلاليتها. ولا يوجد أي سببٍ يدعو إلى الإيحاء بأن المؤسسة الخيرية أو أمناءها مدعومون، أو كانوا كذلك في أي وقت مضى، بأي شكل، من أي منظمةٍ إرهابية أو متطرّفة. وأكدت مفوضية المؤسسات الخيرية أنه ليس لديها قضية مفتوحة تتعلق بمؤسسة نكتار، وأشارت إلى أن تصنيف جمعية قطر الخيرية منظمة إرهابية ليس له مكانة قانونية في المملكة المتحدة. نعتذر للمؤسسة ولأمنائها عن أي مضايقة أو إحراج تسبب لهم ويسعدنا توضيح هذا الأمر).
هذه الواقعة شاهدٌ مستجدٌّ، يُضاف إلى ما تراكم في السنوات الثلاث الماضية من انتكاساتٍ إعلاميةٍ وقانونيةٍ غزيرة ارتطم بها غرور صنّاع الإعلام الهواة، في أبوظبي والقاهرة تحديدا. وهي شاهدٌ أكيدٌ على شجاعة الصحافة الحقّة، والمسؤولة أمام جمهورها، في تصويب أي زلل قد ترتكبه. شحيحٌ هذا السلوك بيننا، نحن العرب، لكن الأكثر رداءةً انعدام الحياء عند الذين لا يسترون عوارَهم، وهم يستهدفون جمعية قطر الخيرية مثلا، متسلّحين بصحيفة بريطانية أولا، وعندما تصيبهم الصحيفة نفسُها بالخزي لا يسترونه (عوارَهم) أيضا.
358705DE-EDC9-4CED-A9C8-050C13BD6EE1
معن البياري
كاتب وصحفي من الأردن، مواليد 1965. رئيس قسم الرأي في "العربي الجديد".