صفحات متناثرة من دفتر اليوميات (1)

30 يونيو 2020
14 نوفمبر 2011:
للأسف، كل ما يحدث في مصر الآن يفسره قول الشاعر "وما سُمِّي الإنسان إلا لنسيه"، المجلس العسكري نسي ما حدث لمبارك بسبب التذاكي المفرط والثقة الزائدة بالقوة والإنحياز لحسابات الخارج والرهان على خوف الناس بدلاً من الإرتكان لإرادة أحرار المصريين وإن قل عددهم، وكثير من الثوار نسوا أن ما أنجح ثورتهم كان قدرتهم على كسب أكبر عدد ممكن من الناس إلى صفوفهم ليصبح ضربهم مستحيلاً، ولذلك ظلوا ينجرون طيلة الأشهر الماضية إلى معارك غير محسوبة أبعدتهم عن سلاحهم الرئيسي: الناس، والإخوان المسلمون نسوا درس 1954 فأعجبتهم كثرتهم وشقّوا بينهم وبين القوى التي اشتركوا معها في الثورة أخاديد من الشك وسوء الفهم يصعب أن تُردم بسهولة لمجرد أن جفوة حدثت بين المجلس وبينهم.

والحل ياعم الفيلسوف؟، الحل أن يتذكر الجميع أن هناك ثورة حدثت في مصر، ويستحيل على أجعص جعيص أن يتحداها فيظن أنه يمكن أن ينفرد بتغيير موازين الأمور إما بقوته أو حماسه أو تنظيمه، فقد تغيرت قواعد الصراع في مصر إلى الأبد، ولذلك لا بد أن يدرك المجلس العسكري عبث تحديه لجيل ثائر يمتلك الأمل والمستقبل، وأن يدرك هذا الجيل الثائر أن هدم الدولة بكسر إرادة أي سلطة تديرها الآن قد يبدو تحدياً جميلاً ونحن جالسون على القهوة لكنه في الواقع أمر مخيف لن ينجو من عواقبه أحد أياً كان نبله، لذلك الحل ببساطة أن يتراجع الجميع إلى نفس المواقع التي كانوا عليها يوم 11 فبراير لنبدأ من أول وجديد، فلا زالت لدينا فرصة ربما لن تتكرر.


...

8 يناير 2012:
لا أريد أن أترك الإسكندرية بسهولة. الساعة الآن الخامسة والنصف صباحاً. قررت أن أفتح باب البلكونة وأترك الهواء البارد يجتاح الغرفة. لأؤنس وحشتي بصوت البحر الهادر وهو يرتطم بجدران الكبائن التي أحسد سكانها لأنهم أقرب مني إلى البحر. حزين لأنني سأغادر غداً حتى لو كان لقاء أحبتي عزاءً لي عن فراق مدينتي التي لم أشركها إلا في أحزاني محتفظاً بشراكة الأفراح لغيرها من المدن. أخرج في الهواء ناظراً إلى السماء باحثاً عن القمر لأستودعه أمنية حميمة هو يعلم أنها لن تتحقق. كل ما أراه يستهويني. كل ما أراه الآن فاتن الجمال. سأظل هنا ولن أبالي بشيئ حتى لو أخذت دور برد بسبب فعلتي الجنونية يكفي أنني أخذته ذكرى من الإسكندرية. لعل بعضاً منها يسكنني فترة أطول حتى أعود إليها من جديد.

....

4 سبتمبر 2014:
بالأمس أدرتُ خصيصاً أغنية "امبارح كان عمري عشرين"، لعلي أشاطر صديقي المكتئب في بعض أحزانه ولو بأثر رجعي، فلم أشعر أن شجنها "المنيري" يعنيني كثيراً، ربما لأن "المخمضة" التي عشتها كغيري في سنين الثورة غيرت أولويات الأسى لديّ وأعادت تعريفي لمفهوم الفقد، وربما لأنني بحكم صداقاتي الجميلة مع كثيرين كانوا يكبرونني سناً ومقاماً ـ بعضهم مات موتة ربنا وبعضهم "مات بالنسبة لي" ـ أدركت أن أفضل ما يفعله المرء مع تقدمه المطّرد في السن هو أن يتخلص بانتظام من الحمولة الزائدة التي يبتليه بها الزمان، ليكسب خسارة الأنذال والبُضناء والمعذبين بكسر الذال وفتحها، وربما ـ وهذه آخر ربما على أية حال ـ لأنني عشت كل لحظة من عمري الماضي بالـ "ثري دي"، لا أشعر الآن أن أخطائي تثقل صدري فتجعله ضيقاً حَرَجاً، كما كنت أخشى، خاصة وأن تجارب المرض التي شهدتها في السنين الأخيرة، وكلها أرحم بحمد الله مما يُبتلى به غيري، جعلتني آخذ بجدية تلك النصيحة التي كنا نأخذها باستخفاف لا يليق: "ما تاخدش حاجة على صدرك".

بالطبع، أشارك الكثيرين في أحزانهم على ما يجري في مصر من هرتلة وقهر وإهدار لكرامة الإنسان وإمعان في تضييع وقت البلاد في محاولة تفصيلها على مقاس جنرال مضطرب يجري وراء أحلام سلطة راودته بعد أكلة ثقيلة، ويظن هو والملايين من أنصاره أن الكون سيغير قوانينه من أجل نور عيونه، لينقذ الظلم والقمع وطناً لن ينقذه إلا العدل والحرية. لكنني مع كل ما جرى ويجري وما سيجري، لم أعد آخذ الهم العام على صدري بشكل أكثر من اللازم، ليس فقط لأنني أدرك أن المعركة الحقيقية لم تأت بعد، فالمعركة الآن أتفه مما يظن الجميع بمن فيهم الذين يغويهم الآن دور المنتصر، وهؤلاء سيفزعهم قريباً تغير الأدوار حين يحين موعد دفع استحقاقات يظنونها لن تجيئ، وإنما لأنني أدرك حدود دوري الذي يتلخص في أن أكتب رأيي الذي أقتنع به مهما كان ثمنه، وأزعم أنني فعلت ذلك في ظروف بالغة الصعوبة، وأتمنى أن أظل، لكنني مع ذلك لا أمتلك وهم أن كتابتي ستغير العالم، لأنني أصبحت معنياً فقط بألا يغيرني العالم إلى الأسوأ، لعلي عندما تحين لحظة الموت ـ إن خفّف الله عني سكراتها ـ أتذكر أنني كتبت كثيراً فأصبت وأخطأت وأبهجت وأغضبت وأفدت واستفدت، لكنني لم أخن ضميري وإنسانيتي وأحلامي، وسيكون ذلك إن تحقق النصر الساحق ـ الذي يعنيني ويمكنني ـ على وساخة الكون.

....

11 يونيو 2017:
على كرسي خشبي محدوف في طرف حارة من حواري كوينز، جلست أستريح من وعثاء المشي بكل ما أحمله من أكياس محملة بـ "حاجة رمضان"، بينما كانت "الست في وِدني" تنقل رسالة بيرم التونسي للعالمين: "وأندم وأتوب وعلى المكتوب ما يفيدشي ندم"، والدخلة التي دخلها عليّ أخونا كانت مربكة، لأنه بدأ الكلام وهو يحتضنني غصباً عني بقوله: "إنت ربنا بعتك ليا.. مين كان يصدق إني أقابلك هنا بالذات.. أنا كنت عارف إن ربنا كاتبها لي"، وحين تقال هذه العبارات وغيرها بحماس، لا يكون من المجدي أن ترد بعبارات من نوعية "والله كان نفسي بس الظروف صعبة.. يا عم شوف منتج يشغلنا احنا الاتنين"، خاصة حين يقول لك الشاب المتحمس إنه ترك مصر منذ خمس سنين، ولا يتابع تفاصيل ما يجري هناك، لأن أكل العيش مر، لكنه مؤمن بأن "ربنا كاتبها لي زي ما كتبها لمحمد رمضان"، قبل أن يبدو أنه متابع بدقة تفاصيل تطور أجر محمد رمضان وأعماله الفنية وتبرعاته الخيرية ومعاركه الإنترنتية، وقبل أن يترك لي فرصة لفض المجلس بكلام عن أهمية مطاردة الأحلام وحتمية "اللي كاتبه ربنا هيكون" وإمكانية "الثقة في الله نجاح" وضيق الوقت ما بين الفطار والسحور، وجدت نفسي أشاهده وهو يؤدي بحماس بالغ مونولوج المليجي في (الأرض)، وأنا أفكر في ألطاف الله التي جعلت هذه الليلة حارة، ليرتدي فانلة نص كم تجعل نصفه الأعلى واضح الملامح، بشكل يمنع أحداً من المارة العاقلين من تصور أن هذه الصيحات العصبية التي يطلقها هذا الشرق الأوسطي وهو يخبط على صدره بحرقة "كنا رجالة ووقفنا وقفة رجالة"، هي مقدمة لتفجير نفسه في المكان.