صغار زمن كورونا... لا تسمحوا بتأثير هلع الكبار عليهم

صغار زمن كورونا... لا تسمحوا بتأثير هلع الكبار على نفسيّتهم

19 ابريل 2020
الصورة
التبعات النفسيّة عليهما قد تكون قاسية (مهدي حسن/ Getty)
+ الخط -
يُعَدّ الأطفال من الفئات الأكثر ضعفاً في الأزمات المختلفة، سواءً الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الأوبئة أو غيرها. اليوم، مع الوباء العالمي الجديد يبدو هؤلاء مستهدفين بطريقة أو بأخرى

في زمن كورونا، هذا الزمن الذي يفرض على الأفراد عدم الاختلاط وملازمة منازلهم وسط قلق وكمّ هائل من الأخبار والمعلومات التي قد تكون غير دقيقة في أحيان كثيرة، يبدو الأطفال من الفئات الأكثر هشاشة نفسياً. كثر لن يفهموا لماذا هم مضطرون إلى البقاء محتجزين والانقطاع عن المدرسة والأصدقاء والأنسباء، فيما يتزايد خوف أهلهم عليهم على الرغم من أنّ الخبراء أكّدوا حتى اليوم أنّ الصغار هم فئة لا يستهدف صحتها الفيروس الجديد بشراسة.

وفيروس كورونا الجديد الذي يشغل العالم، يبدو إيجابياً في أحد جوانبه. هو نجح في إعادة اللحمة إلى قلب العائلات، وجمعها بعدما كانت الانشغالات اليومية كثيرة بالإضافة إلى اضطرار الوالدَين في معظم الأحيان إلى الخروج من المنزل للعمل ساعات طويلة بعيداً عن أولادهما. أمّا اليوم، فقد راحت العائلات تتشارك تفاصيل يومياتها، فيما يتعرّف من جديد كلّ فرد منها على الآخر. لكنّ أحداً لا يستطيع أن يهمل انعكاسات الوضع القائم على نفسيّة الأطفال، لا سيّما مع شعور أهلهم بالقلق والخوف ونقلهما إلى صغارهم عن قصد أو عن غير قصد.



ولأنّ الأطفال معرّضون إلى كمّ هائل من المعلومات التي لا تناسب سنّهم والتي من شأنها أن تثير الذعر في نفوسهم، لا سيّما أنّهم لا يستطيعون إدراك ذلك "العدوّ" الذي يستهدفهم ويستهدف عائلاتهم والبشرية جمعاء، كانت محاولات من أكثر من مكان حول العالم لتوعيتهم من خلال نشر وبثّ مواد تثقيفية خاصة بشرائحهم العمريّة تعرّف بالفيروس الجديد وتتناول كيفية الوقاية منه والتعامل مع تبعاته وغير ذلك. ولعلّ من أبرز ما قُدّم للصغار هو فيديوهات أنتجتها منظمة الصحة العالمية وجهات أخرى عالمية ومحلية معنيّة تشرح كيفية غسل اليدَين بالطريقة المناسبة خصوصاً والحفاظ على النظافة الشخصية عموماً، بالإضافة إلى الحرص على نظافة ألعابهم ومستلزماتهم الخاصة، كذلك معنى الحجر المنزلي لعدم التقاط العدوى وما إلى ذلك.

قصّة نسردها لأطفالنا
في هذا السياق، تحذّر الأستاذة في قسم علم النفس التربوي في كلية التربية بالجامعة اللبنانية ومؤسّسة مركز "إيد" للتربية المختصة بالأطفال ذوي الإعاقة، الدكتورة ريماز حرز، من "إثارة الهلع والقلق لدى الأطفال، ومن إعطاء كمّ كبير من المعلومات غير المفيدة في ما يخصّ فيروس كورونا الجديد. فنحن لا نريد الانتقال من حالة اضطراب إلى وسواس قهري مرضي يستدعي علاجاً نفسيّاً". تضيف لـ"العربي الجديد" أنّه "من الضروري توعية الأطفال بهذا الفيروس وأعراضه وطرق الوقاية منه من خلال ملازمة البيت والحفاظ على النظافة الشخصية، سواء عبر الاستحمام أو غسل اليدين على سبيل المثال بعد لمس الأبواب أو أزرار المصعد وغير ذلك"، مؤكدة أن "هذه فرصة لتعزيز استقلاليّتهم وتحفيزهم على الشعور بالمسؤولية".



وتشدّد حرز على أهمية "توصيف الفيروس للصغار وكيفية التقاطه على شكل قصة اجتماعية بسيطة من دون أي هلع أو قلق، وذلك من خلال استخدام صورة الفيروس مع التاج (هو من عائلة الفيروسات التاجية) وطرق التعليم المبتكرة والمنشورات المساعدة، وذلك للردّ على أسئلة الأطفال حول أسباب الإصرار على غسل اليدين مراراً وتكراراً ولحثّهم على الإبلاغ عن أيّ عارض قد يصيبهم". وتلفت إلى أنّه "من المهمّ تقدير شخصيّة الطفل ونضجه الفكري ووضعه الصحي عند تزويده بالمعلومات، علماً أنّ ثمّة صغاراً يفيدوننا هم بمعلومات لا نعرفها. وهنا دور الأهل في مناقشتها معهم والتأكّد من صحّتها ونفي الشائعات منها".

"فرصة" لخلق ذكريات جميلة
تدعو حرز الأهالي إلى "التفكير بإيجابيّة والاستفادة من الحجر المنزلي المفروض على الجميع في هذه الفترة وتحديد وقتٍ للأخبار عوض الاستماع إليها على مدار الساعة، الأمر الذي يؤدّي إلى توتّر الصغار كما الكبار". وتقول: "دعونا نلعب مع أطفالنا ونتعرّف إليهم أكثر ونعلّمهم القيم والأخلاق. دعونا نفرح معهم، ونلهو بابتكار الألعاب في داخل المنزل ونكتشف نماذج ألعاب حسية وحركية وأخرى لفظية وكتابية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، سواء يوتيوب أو فيسبوك. دعونا نغيّر الأثاث والديكور ونلتقط صوراً في زمن كورونا وندوّن يوميّات هذا الفيروس، تماماً كما إطلاق العنان لمواهبنا ومواهب أطفالنا من رسم وكتابة قصص وعزف موسيقي ويوغا وغيرها. هذا كله يساهم في خلق ذكريات جميلة لا تُعوّض، نستعيدها بعد عودة الحياة إلى طبيعتها وعودتنا إلى حياتنا المهنية والعملية"، متسائلة: كم شخص منّا لم يجالس أطفاله منذ وقت طويل؟

وتؤكّد حرز أنّ "هذه السبل تساهم في مقاومة الفيروس والخروج من أجواء الخوف والتوتّر"، مشيرة إلى "أهميّة الحفاظ على الروتين اليومي بدءاً من الاستيقاظ باكراً وارتداء ملابسنا كأنّنا ذاهبون إلى العمل أو المدرسة أو لقضاء عطلتنا الأسبوعية، بالإضافة إلى وضع برنامج يومي للأطفال من ساعات للتعلّم ومراجعة الدروس وكتابة الفروض كأنّهم على مقاعد الدراسة، وأخرى للاستماع إلى الموسيقى واللعب وحتّى لإشراكهم في الطبخ وإعداد الحلوى. من شأن ذلك أن يخلق جوّاً من المحبّة والتعاون ويساهم في تعزيز التكافل الاجتماعي". وتتحدّث حرز كذلك عن "مدى دقّة هذه المرحلة وخطورتها على الأطفال ذوي الإعاقة، مؤكّدة "أهميّة رعاية هؤلاء الأطفال بالدرجة الأولى وحثّ أفراد العائلة الواحدة بما في ذلك الإخوة على الاهتمام بهم".

توعية الأهل هي الأساس
من جهته، يرى المتخصّص في طب الأطفال وحديثي الولادة فادي شمس الدين أنّ "الأهمية تكمن اليوم بعزل الأطفال في المنزل تجنّباً لتعرضهم للإصابة بالفيروس أو لنقله إلى الأهل وكبار السنّ الذين تُعَدّ العدوى خطرة عليهم، لا سيّما أنّه ما من علاجٍ للفيروس حتى تاريخه". ويشدّد لـ"العربي الجديد" على "توعية الأهل حول إجراءات الوقاية والتحلّي بالمسؤولية تجاه أطفالهم، وعدم تزويد الصغار بمعلومات لا فائدة منها. فالطفل لن يفهم ما هي أزمة الدولار في لبنان على سبيل المثال، والأمر نفسه عند التحدّث معه عن شؤونٍ طبية أو سياسية، علماً أنّ المسألة تختلف بحسب السنّ".



يضيف شمس الدين أنّ "من واجباتنا كأهل أن نقدّم لأولادنا المعلومات الصحيحة حول أسباب العزل، فهم يبرّرون بقاءهم في البيت بفيروس كورونا من دون أن يكونوا بالضرورة واعين لحقيقة الفيروس". ويتابع أنّه "حتى تاريخه لم تُسجّل عالمياً أيّ حالة وفاة عند الأطفال نتيجة فيروس كورونا وفق البيانات الأخيرة، إلا أنّ هذا لا يعني أنّهم لا يُصابون به"، مشيراً إلى أنّه "ما زال من المبكر الحديث عن أسباب عدم تأثّرهم كالكبار والمسنّين. المسألة تحتاج إلى دراسات علمية دقيقة".

الهلع يفاقم القلق
ويشدّد المتخصّص في أمراض الجهاز العصبي عند الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة هشام منصور لـ"العربي الجديد" على "أهميّة عدم إثارة الهلع والذعر لدى الأطفال، لأنّ من شأن ذلك أن يفاقم منسوب القلق ويؤثّر سلباً على نفسيّتهم". يضيف الطبيب المتطوّع لدى مؤسسة "سيزوبيل" اللبنانية التي تعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة، أنّ "من الضروري أن نطلع الأطفال بدءاً من سنّ الثالثة على حقيقة الفيروس وأعراضه وسبل الوقاية منه، حتى يهتمّوا بنظافتهم الشخصية. كذلك لا بدّ من أن نخبرهم بأنّ الفيروسات والأمراض موجودة عادة وأنّها ليست المرة الأولى التي ينتشر فيها أحدها حول العالم، بعيداً عن بثّ أفكار الخوف من المستقبل أو فكرة أنّنا بلغنا أيامنا الأخيرة، وكذلك بعيداً عن الشائعات". وإذ يلفت منصور إلى "أهميّة المنشورات التثقيفية المتداولة في التوعية الطبية"، يؤكد أنّ "مسؤولية طمأنة الأطفال نفسياً تقع على عاتق الأهل". ويتابع: "نحن في حالة أزمة، لذلك يُعَدّ الترفيه بالموسيقى الهادئة وغيرها أساسيّاً"، داعياً الأهل إلى "عدم مشاهدة الأخبار والبرامج التلفزيونية التي قد تتضمّن عنفاً أمام أبنائهم".

بالنسبة إلى منصور، فإنّ "النظام الغذائي يجب ألا يرتكز على السكر والنشويات التي من شأنها أن تزيد من حركة الأطفال، إنّما على الخضار والفواكه التي تمنحهم الغذاء اللازم وتحافظ على هدوئهم، لا سيّما خلال الحجر المنزلي. كذلك لا بدّ للأهل أن يدعموا أولادهم مع تمديد الحجر المنزلي أكثر من أسبوعَين، وملء وقتهم بقراءة الكتب ومراجعة الدروس ونشاطات أخرى". ويحذّر منصور من "خطورة إصابة الأطفال ذوي الإعاقة بالفيروس، حالهم حال المسنّين، نظراً إلى أنّ مناعتهم ضعيفة، لا سيّما ذوي الإعاقات المزمنة الذين يعانون أمراضاً والتهابات رئوية"، داعياً إلى "رعايتهم وعزلهم تفادياً للإصابة وكذلك دعمهم نفسياً ومعنوياً، خصوصاً في ظلّ عدم قدرتهم على العودة إلى مراكز كانت تحتضنهم. فالمراكز المتخصصة كلها مغلقة مذ تقرّر إغلاق المدارس في لبنان، كما أنّها في الأساس تعاني أزمات مالية سبقت ظهور فيروس كورونا".

هواجس الأهل
لا تخفي المواطنة اللبنانية نسرين إسماعيل هواجسها في هذه الفترة، وتخبر "العربي الجديد": "لدى سماعي بالفيروس بدأت أبحث عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن أسبابه وأعراضه وسبل علاجه والشفاء منه، لا سيّما أنّني أمّ لولدَين وأعمل في مدرسة تضمّ مئات التلاميذ الصغار الذين شعرت بالخوف عليهم كما خوفي على ولدَيّ". وإذ تؤكّد "أهمية بثّ روح الطمأنينة في نفوس أولادنا ومَن حولنا"، تقول: "علينا نشر الوعي، لأنّ الناس بمعظمهم لم يدركوا بعد خطورة الوضع". تضيف: "أجد صعوبة أحياناً في إقناع الآخرين بأنّ الحجر المنزلي ضروري، وأُتّهم بأنّني أعاني من وسواس".



وتشير إسماعيل إلى أنّ "ملازمة المنزل لم تمنعنا من وضع برنامج يومي يساعدنا على قضاء هذه الفترة، سواء بالقراءة والكتابة أو تنظيف البيت أو ترتيب الخزائن أو الاقتراب من أنفسنا ومن أولادنا أكثر ومناقشتهم والاستماع إلى مشاكلهم"، موضحة أنّها شرحت لولدَيها ما هو الفيروس بما يتناسب وسنّهم. يُذكر أنّ نسرين تتابع مهامها التعليمية من منزلها عبر منصّة إلكترونية وُجدت لهذا الغرض، فيما زوجها بعيد عنها بسبب اضطراره إلى العمل خارج البلاد. وبُعد زوجها يجعلها أكثر قلقاً من احتمال إصابتها وولدَيها بالعدوى واضطرارهم إلى دخول المستشفى.