صعود المرشح بلومبيرغ ودور المال في الانتخابات الأميركية

15 فبراير 2020
الصورة
أكد بلومبيرغ أن بإمكانه هزيمة ترامب (Getty)
+ الخط -
من البداية لم تكن تشكيلة المرشحين الديمقراطيين لانتخابات 2020 الأميركية واقفة على أرضية صلبة. كثير من منافسيها الـ24 دخلوها لتلميع الاسم أو كتمرين لفرصة لاحقة. خلوها من أصحاب الوزن الثقيل فتح أبواب الانتخابات على المفاجآت ودخول البدائل إلى ساحتها تحت ستار الإنقاذ وقطع الطريق على تجديد رئاسة دونالد ترامب.

هذه الفرصة التقطها رئيس بلدية نيويورك السابق الملياردير مايكل بلومبيرغ، الذي أعلن ترشيحه في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وزعم أن بإمكانه تحقيق الالتفاف حوله وهزيمة الرئيس ترامب. علماً بأنه كان قد أعرب في الربيع الماضي عن عزوفه عن خوض معركة الرئاسة.

لكن بلومبيرغ عاد وتراجع مع تقدم رموز اليسار على حساب مرشحي الخط الحزبي التقليدي، ليكون المنافس لهم لئلا ينتزعوا الترشيح باسم الحزب ويكونوا بالتالي لقمة سائغة للرئيس ترامب، الذي يسهل عليه تنفير الناخب منهم بتصنيفهم في خانة "الشيوعيين".

بهذه الحيثية، نزل إلى الساحة معلناً عن استعداده لتمويل حملته من ماله الخاص ولو بلغت الكلفة مليار دولار. مبلغ بسيط من ثروته التي تربو على 60 مليار دولار. صرف حتى الآن حوالي 300 مليون دولار، لتسويق ترشيحه بفيض من الإعلانات التي شملت كافة وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

ثم جاءت نتائج انتخابات التصفية الحزبية في ولايتي آيوا ونيوهمشاير، واللتين لم يشارك فيهما، لتعطي حملته دفعة زخم بعد الهبوط الكبير للمرشح جو بايدن، وتقدم "الاشتراكي الديمقراطي" بيرني ساندرز إلى المرتبة الأولى ينافسه المرشح الوسطي بيتر بوتيجيج المعروف أنه من المثليين.

نتيجة أثارت الهلع لدى مرجعيات وقيادات الحزب التي سارعت إلى التحرك لتحضير البديل عن بايدن الذي راهنت عليه في البداية، وتبيّن بعد تجربة الولايتين أنه غير قادر على الإقلاع.

وفي خطوة غير اعتيادية في مثل هذا الوقت من الحملة، أسقطت قيادة الحزب الديمقراطي شرط حصول المرشح على نسبة محددة من التبرعات المالية لكي يتأهل للمشاركة في المناظرات اللاحقة بين المرشحين المتنافسين. إسقاط مخصص لتأمين مشاركة بلومبيرغ في المناظرة القادمة، باعتباره يمول حملته ولا يتلقى أي تبرعات.

ويشار إلى أن المناظرة التالية بالغة الأهمية كونها تأتي عشية انتخابات التصفية يوم 3 مارس/ آذار المقبل في 14 ولاية تمثل 40% من مجموع المندوبين الحزبيين إلى مؤتمر الحزب العام في يوليو/ تموز القادم، والذي يتقرر فيه رسمياً اختيار المرشح الديمقراطي ضد ترامب.

في حال بقيت الأمور على هذا المنوال، تكون اللحظة السياسية – الانتخابية المواتية قد اجتمعت مع المال لتعزيز حظوظ بلومبيرغ بالمنافسة الجدية للفوز بترشيح الحزب. فهو الآن في الصف الأول مع الخمسة الباقين، ويحظى باستمالة جهات نافذة في الحزب الديمقراطي بعد بداية أفول وهج بايدن واحتلال ساندرز موقع الصدارة. كما صار حسب الاستطلاعات الأخيرة، الأكثر قدرة على الفوز ضد ترامب.

وربما كان ذلك وراء عملية التراشق بالقدح والتجريح التي بدأها الرئيس ترامب أمس ضده ورد عليها بلومبرغ بالمثل. صحيح أن بلومبيرغ من خارج طاقم واشنطن السياسي ودخل المعركة بعد خمسة أشهر من افتتاحها، لكنه معروف كمتبرع وناشط في قضايا المناخ وضبط امتلاك السلاح الفردي، وقضى 12 سنة عمدةً لمدينة نيويورك ولو أن سجله لا يخلو من المآخذ، خاصة في تعامله الفج مع السود والأقليات أيام ولايته البلدية. وهو أصلاً جمهوري وقف إلى جانب الرئيس الأسبق جورج بوش في غزو العراق ومعروف بدعمه غير المشروط لإسرائيل.

مع ذلك هو يعوّل على إمكاناته المالية لتنظيف هذه الرواسب والقيام بحملة تقدمه منافساً جديّاً للرئيس ترامب، بحيث يتقبله جمهور الحزب الديمقراطي الذي يعطي الأولوية لهذا الهدف. فالمال عصب حساس في الانتخابات الأميركية. نفقات المكاتب والمواصلات وكلفة الاستشارات والإعلانات الدعائية وتنظيم اللجان السياسية الانتخابية، بالملايين.

في عام 2016، بلغ مجموع الانتخابات 2.4 مليار دولار. يتم جمعها من التبرعات الفردية ومن الشركات واللوبيات والنقابات والمنظمات والكتل المالية النافذة التي فتحت لها المحكمة العليا عام 2010 المجال لتمويل مرشحها بدون حدود، بذريعة أن ذلك ترجمة لحق التعبير عن الرأي الذي يكفله الدستور. اجتهاد أغرق، وربما أفسد، السياسة بالمال.

لكن المال وحده لا يقرر الانتخابات، ولم يشفع لهيلاري كلينتون في 2016 التي بلغت كلفة حملتها 768 مليون دولار ما عدا نفقات انتخابات التصفية الأولية. في حين كانت تكاليف حملة ترامب 398 مليون دولار. وهكذا كانت الحال في 2004 إذ لم تكن مجدية مالية جون كيري الانتخابية التي كانت أعلى من تلك التي كانت بحوزة جورج بوش.

الظروف الحالية مختلفة. قد يكون لمالية بلومبيرغ دورها. وقد تبقى عاجزة لو بقي الصراع على حدته في صفوف الديمقراطي، قيادة وقواعد. المؤكد وفق سائر التقديرات أن انتخابات 2020 ستضرب الرقم القياسي في الكلفة والشراسة. وما شهدته حتى الآن ليس سوى أول الغيث.

المساهمون