صراع يخبو ليشتعل

30 اغسطس 2019
في مفاجأة غير متوقعة، أعلنت الخارجية الأميركية عن قرار الرئيس ترامب، في الأول من أغسطس/ آب الجاري، إلغاء معاهدة الحد من الصواريخ النووية متوسطة وطويلة المدى (أي أن إف)، والتي وقعت فى واشنطن في ديسمبر/ كانون الأول 1987 بين الرئيسين الأميركي، رونالد ريغان، والسوفييتي، ميخائيل غورباتشوف، والتي نصت على حظر استخدام البلدين صواريخ متوسطة وقصيرة يتراوح مداها بين خمسمائة وخمسة آلاف وخمسمائة كيلومتر يمكنها حمل رؤوس نووية. وكنوع من التحدى لموسكو، أجرت واشنطن تجربة إطلاق صواريخ كروز متوسطة، يمكنها حمل رؤوس نووية فى جزيرة سانت كلاوس قرب كاليفورنيا في الثامن عشر من الشهر الجاري.
كان هذا الإجراء من الولايات المتحدة قمة جبل الجليد فى الصراع المستعر بينها وبين روسيا منذ نهايات عهد إدارة بوش الابن، فقد أشعلت هذه الإدارة جمهورية الانتماء مثل إدارة ترامب، سباق تسلح مع روسيا بحجة حماية الأراضي الأميركية من صواريخ إيران بعيدة المدى، وهو ما عرف بالدرع الصاروخية الأميركية.
وقد ارتكز هذا المشروع الذي تبنته إدارة بوش الابن على رصد القذائف التى تحمل رؤوساً نووية عبر منظومة رادارية تصدر بعد رصدها للقذيفة إشارة لمحطة التحكم، فتطلق الأخيرة صاروخاً موجهاً بالليزر، يفجر هذه القذيفة في الفضاء الخارجي. وقد جارى فلاديمير بوتين إدارة بوش الابن فى ادعاءاتها واقترح نصب الدرع الصاروخية فى أذربيجان، طالما كان التهديد قادماً من إيران، لكن الإدارة الأميركية أصرت على نصب الدرع فى شرق أوروبا المتاخم لروسيا، فقد وقعت وزيرة الخارجية الأميركية وقتها، كوندوليزا رايس، اتفاقية مع رئيسى بولندا والتشيك في العشرين من أغسطس/ آب 2008 لنصب الدرع الصاروخية على أراضى الدولتين. وهنا أدرك الروس أن المقصود من إنشاء هذه الدرع هو تحييد السلاح النووي الروسي، فأنتجت المصانع العسكرية الروسية نظاماً صاروخياً يمكنه اختراق الدرع الأميركية.
ساد الهدوء العلاقات الروسية الأميركية مع تولي باراك أوباما مقاليد السلطة مطلع 2009. وفي العاشر من سبتمبر/ أيلول 2009، أعلن أوباما وقف الدرع الصاروخية الأميركية لكلفتها الباهظة، ما أثلج صدور الروس. وكبادرة حسن نية وقع أوباما ونظيره الروسي، ديميترى ميدفيديف، اتفاقية خفض الأسلحة الاستراتيجية فى الثامن من أبريل/ نيسان 2010 التي تعهدت فيها الدولتان بتقليص مخزونهما من السلاح النووي.
ولأن دوام الحال من المحال توترت علاقات العم سام والدب فى بداية الفترة الثانية من ولاية الرئيس أوباما عام 2013، بعدما اتهم الرئيس الأميركى روسيا بخرق معاهدة سالت. ومع نهاية 2013 أبلغ البيت الأبيض الكرملين، أن واشنطن لن تترك تصرفات موسكو دون عقاب ما لم تتوقف عن خرق سالت، فكان الرد الروسي الفوري هو اعتبار حلف شمال الأطلسي (الناتو) التهديد الخارجي الأول للأمن القومى الروسي، بحسب العقيدة العسكرية الروسية الجديدة التي صدرت في الخامس عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2013.
صعد أوباما من تعامله مع موسكو فى 2015، عندما نصبت أميركا صواريخ توماهوك متوسطة المدى تقليدية من طراز أس سي - 8 في رومانيا، ردت عليها موسكو بنصب صواريخ إس إس إيه- 35 على الحدود الروسية مع أوروبا الشرقية، لتحمل رؤوساً نووية متوسطة المدى.
هدأت الأوضاع بين القوتين العظميين مع تولي دونالد ترامب الرئاسة مطلع 2017، والذي عمل على تحسين العلاقات العلاقات مع روسيا أكثر من أي رئيس أميركا. لكن ترامب، وبعد عامين وأيام قليلة من علاقاته الودية مع موسكو، أعلن في خطاب حالة الاتحاد فى الخامس من فبراير/ شباط 2019، أنه يفكر في إلغاء معاهدة سالت، وعقد معاهدة ثلاثية بديلة تضم الصين إلى جانب روسيا والولايات المتحدة.
هدف ترامب من هذه المعاهدة تحييد الخطر الصيني لامتلاك بكين عدداً هائلا من الصواريخ التقليدية متوسطة المدى مقارنة بما تمتلكه من صواريخ يمكنها حمل رؤوس نووية، ما سيجبر واشنطن على تخفيضات هائلة فى ترسانتها النووية، لضمان موافقة الصين، غير أن روسيا رفضت القرار الأميركي، معتبرة أنه سيعيد التوتر إلى العالم باندلاع سباق تسلح جديد بين الشرق والغرب.
لقد أثبتت هذه الأزمة، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الشرق والغرب خصمان، وإن تحالفا ردحاً، فمصالحهما متباعدة بحجم ابتعاد موقعيهما.
تعليق: