صراع وجود يهدد الرئاسة الأميركية: حركة "مقاومة ترامب" تتمدد

صراع وجود يهدد الرئاسة الأميركية: حركة "مقاومة ترامب" تتمدد

22 نوفمبر 2019
الصورة
يقدم بار الولاء السياسي الكامل للرئيس (جابين بوتسفورد/Getty)
+ الخط -
لم يعد عُمق الصراع السياسي الدائر في واشنطن أيديولوجياً أو سياسياً فقط، بل أصبح معركةً مفتوحة بين رئاسةٍ أميركية ترى صلاحياتها التنفيذية مطلقة، ومعارضة بيروقراطية يُتعارف عليها بأنها صلب حركة "مقاومة" الرئيس دونالد ترامب من داخل النظام الفدرالي. هذه المعركة البيروقراطية وصلت إلى ذروتها اليوم، مع توسع قاعدة هذا التيار المعارض، مع تحالفات ضمنية مع السلطة التشريعية نتيجة "أوكرانيا غايت"، التي عمّقت شكوك ترامب لتصل إلى درجة الرهاب من أن هناك جناحاً ديمقراطياً في إدارته يمارس "مطاردة الساحرات" ضده. 

"أبداً ترامب"، الحركة المناهضة للرئيس، أصبحت مصطلحاً يعبّر عن الحالة السياسية التي ولدت مع صعود رجل الأعمال الجمهوري إلى الحكم. في البداية، كانت توصيفاً للجمهوريين الذين رفضوا خطاب ترامب بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية للحزب عام 2016، ولا سيما بين النخب المحافظة والمورمون والنساء. تمكن ترامب منذ تسلّمه الحكم من القضاء على أغلب معارضيه داخل الحزب الجمهوري وفي الكونغرس، لكن بدأت تظهر ممانعةٌ لسياساته في القضاء الذي حاول الحدّ من تجاوز الرئيس لصلاحياته، وفي المجتمع الاستخباري الذي كانت منه تخرج تسريبات عن سجلات اتصالات ترامب مع مسؤولين أجانب (ولا سيما الروس). كذلك ظهرت الممانعة من الدبلوماسيين المعتمدين حول العالم الذين رفضوا مقاربة الرئيس الخارجية، ومن المعارضين لسياسة البيت الأبيض المناهضة للبيئة، وغيرها من القضايا التي تعزز هذه الانقسامات البيروقراطية والسياسية. 


في خطاب أيديولوجي ألقاه يوم الجمعة الماضي أمام الجمعية الفدرالية في واشنطن، وهي عبارةٌ عن تحالف للمحامين المحافظين، وصف وزير العدل وليام بار معالم هذه المعركة بأنها "حرب مقاومة أرض محروقة وبلا حظر ضد هذه الإدارة، إنه اليسار الذي ينخرط في تمزيق منهجي للمعايير وتقويض سيادة القانون"، مشيراً إلى أن هناك من يحاول "استخدام كل أداة ومناورة لتخريب الإدارة". وأضاف بار في خطابٍ طويل على مدى ساعة: "هذه فكرة خطيرة للغاية، وهي فعلاً فكرة تحريضية لاستيرادها إلى سياسة جمهورية ديمقراطية". وأضاف: "في حين أن الرئيس رمى بالتأكيد كتاب اللعب التقليدي وشكليات واشنطن، لكنه كان صريحاً بشأن ما سيفعله، والناس قررت أنه سيخدم كرئيس". لم يتوقف بار هنا، بل تحدث عمّا وصفه "التعدي" على صلاحيات السلطة التنفيذية من السلطتين التشريعية والقضائية، مشيراً إلى أن هناك "ميلاً (بين الديمقراطيين والإعلام الأميركي) لرؤية السلطتين التشريعية والقضائية باعتبارهما الأشخاص الطيبين الذين يحمون الشعب من جشع من يرغب أن يكون مستبداً".

بار يعتقد بنظرية "السلطة التنفيذية الوحدوية"، وهي نظرية في القانون الدستوري الأميركي تقول إن الرئيس لديه القدرة للسيطرة على السلطة التنفيذية بأكملها، وبالتالي كان وزير العدل يُعبّر عن إحباطٍ من عدم قدرته على ضبط إيقاع السلطة القضائية، أو في ردع الكونغرس عن القيام بتحقيقات خاصة تشمل مذكرات استدعاء للمسؤولين الأميركيين، والطلب من الحكومة الفدرالية توفير عددٍ كبير من الوثائق الرسمية التي تكون عادة سرّية. خطاب بار أتى بعد ساعاتٍ فقط من تمكن الادعاء العام في وزارة العدل من إنجاز إدانة جديدة لأحد مستشاري ترامب السابقين، روجر ستون، بتهمة الكذب على محققي الكونغرس خلال التحقيق في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016. والآن، هناك معركة قانونية بين الكونغرس والبيت الأبيض حول ما إذا كان يجب أن يقدم مسؤولون حاليون شهادة أمام مجلس النواب في قضية "أوكرانيا غايت" التي تشير إلى ربط ترامب المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا بإعلان كييف إجراء تحقيق في قضية تعيين هانتر بايدن، ابن نائب الرئيس السالق جو بايدن، في مجلس إدارة شركة الغاز الأوكرانية "بوريسما". 

كل مسؤول أميركي حالي يناقض ترامب في شهادة أمام الكونغرس أو الإعلام، يعتبر الرئيس الأميركي أن دوافعه حزبية، وهو (أو هي) جزءٌ من حركة ليبرالية مناهضة له. وكانت آخر ضحايا هذه الاتهامات مساعدة نائب الرئيس مايك بنس، جنيفر وليامز، وهي دبلوماسية رأت في شهادتها أنه كان هناك ما يثير القلق في استخدام العلاقات الأميركية -الأوكرانية لمصالح انتخابية. وأصبح هناك رموز لهذه الحالة الاعتراضية التي تتشكل داخل الحكومة الفدرالية، ولا سيما ثلاثة أسماء طردها ترامب من مناصبها، هي: جايمس كومي، من مكتب التحقيق الفدرالي ("إف بي آي")، وجايمس ماتيس، من وزارة الدفاع (البنتاغون)، وسفيرة الولايات المتحدة السابقة في أوكرانيا ماري يانوفيتش، من وزارة الخارجية. 

ملامح هذه المعركة تحاكي مرحلة رئيسين سابقين، هما ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان، ولا سيما الثورة الثقافية المحافظة التي قادها ريغان خلال ثمانينيات القرن الماضي. كان لوليام بار خطاب رئيسي أواخر شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، دافع فيه عن الحرية الدينية، وهاجم "الصعود المتزايد للعلمانية وعقيدة النسبية الأخلاقية"، وشجب "المعاناة الهائلة والحطام والبؤس" التي أطلقها "هذا العصر العلماني الجديد". وليام بار يسعى إلى إقناع التيار المحافظ بأن ترامب هو استمرارٌ لريغان، وأن المعركة الرئيسية هي مع الإعلام الليبرالي العلماني واليسار الذي يريد تقويض سلطة الرئيس، لكن خطاباً من هذا النوع لا يلقيه عادة وزراء العدل، لما لهذا المنصب من رمزية في السياسة الأميركية. 

يعطي وزير العدل ترامب الولاء السياسي، ويضفي بعداً فكرياً لرئاسته المحافظة، ويؤكد أن في النظام الأميركي "معجزة" السلطة التنفيذية القوية والمستقلة، لكن هذه معركة دستورية لا تحسمها سوى المحكمة الدستورية العليا التي رفضت حتى الآن الدخول في هذه المتاهات، لتحافظ على الحد الأدنى من الوحدة بين أعضائها. أبعد من ذلك، أقصى ما تمكن بار من فعله حتى الآن هو الدفاع أمام استدعاءات الكونغرس، وتنفيذ القرارات التي لا تحتاج إلى موافقة الكونغرس، في وقت تستمر فيه السلطة القضائية بتحدي رفض الرئيس الخضوع للمساءلة أو سوء استخدام للسلطة. البعد الدستوري لصراع الوجود هذا في واشنطن، سيكون من أبرز تداعيات الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

المساهمون