صراع في النيل... لمن تُكتب السيطرة على جزره النهرية؟

29 مايو 2018
الصورة
المطامع الحكومية في جزر النيل بدأت منذ التسعينيات(العربي الجديد)
 

في 18 إبريل/نيسان من عام 2018، وافق مجلس الوزراء المصري، على استصدار قرار جمهوري بنقل تبعية جزيرة الوراق إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، تمهيداً للبدء في "تنفيذ مخطط تنميتها وتطويرها، بالتعاون بين الهيئة الهندسية للقوات المسلحة وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، في إطار خطة الدولة لإيجاد مراكز حضرية جديدة والقضاء على العشوائيات وتحسين جودة حياة المواطنين" وفقا لما جاء في البيان الصادر عن المجلس والذي تناقلته وقتها وسائل الإعلام المصرية.

وضع ذلك الخبر ملف جزر نهر النيل في صدارة المشهد السياسي والإعلامي مرة أخرى، إذ يسلط الضوء مجددا على خطط ومحاولات السيطرة المستمرة منذ عقدين والتي تستهدف الجزر الموجودة في النهر، والتي أسفرت عن مواجهات عديدة بيت قوات الشرطة والجيش وأهالي الجزر، من بينها ما شهدته جزيرة الوراق في يوليو/تموز الماضي حين استيقظ الأهالي على أصوات تشكيلات فرق الأمن المركزي التي حاصرت الجزيرة وبدأت في إزالة بعض المنازل المأهولة بالسكان والموجودة على سواحل الجزيرة، من دون سابق إنذار ما أدى إلى اشتباكات بين الأهالي وقوات الأمن أسفرت عن وفاة أحد السكان بعد أن أصيب بطلق خرطوش في الرقبة وتوفي على الفور بحسب ما أعلنت وزارة الصحة في 16 يوليو.

ولم يكن الاعتداء الأخير على سكان جزيرة الوراق الأول من نوعه، إذ سبقه اعتداء قوات الأمن على سكان جزيرة القرصاية في عام 2007 ثم تكرر الأمر في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2012 ما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين وإصابة خمسة آخرين، على يد قوات الشرطة العسكرية، بحسب ما أعلنت عدة منظمات حقوقية وقتها، من بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومركز النديم.

وتعد الأحداث السابقة جزءاً من ظاهرة متصاعدة شملت تعديلات تشريعية وقرارات إدارية لشرعنة الاستيلاء على الجزر المصرية، خاصة بعد قرار مجلس الوزراء المصري استبعاد 16 جزيرة نيلية من أصل 144 جزيرة من تصنيفها محميات طبيعية، الأمر الذي يهدد عشرات الآف ممن يقطنون تلك الجزر وهو ما تستعرضه السطور التالية والتي توثق للقصة منذ بدايتها إلى آخر تطوراتها والتي يبدو أنها لن تتوقف عند الجزر التي ثار الحديث عنها.
 

 
 


مطامع قديمة للحكومة والمستثمرين

تكشف عملية البحث في علاقة الحكومات المتعاقبة بجزر النهر عن مطامع لا تتوقف لتحويل هذه الأراضي إلى مشاريع استثمارية على حساب المزارعين والصيادين القاطنين فيها، إذ تشير حيثيات حكم محكمة القضاء الإداري رقم 782 لسنة 62 قضائية بتقرير حقوق الانتفاع لسكان القرصاية التي اطلع عليها معد المادة، إلى أن عام 1997 يمثل أول ظهور رسمي لمحاولات الاستثمار في الجزر إذ طلب محافظ الجيزة من الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية الموافقة على الترخيص بإنشاء مشروع سياحي استثماري على أراضي جزيرة القرصاية، تفادياً لما سمّاه "إقامة المجتمعات العشوائية في تلك المناطق المتميزة والفريدة في موقعها"، فتم عرض الطلب على وزير الزراعة والذي أحاله بدوره إلى رئيس مجلس الوزراء لاتخاذ اللازم، كما طلب من محافظة الجيزة إعداد دراسة توضح كيفية تدبير مساكن بديلة لقاطني هذه الجزيرة، وإجراء بحث اجتماعي لسكان الجزيرة بغرض النظر في إمكانية تعويضهم عن النشاط الاقتصادي، ومراعاة البعد الاجتماعي والاقتصادي والأمن الاجتماعي لسكانها.

جزر النهر محميات طبيعية

يبدو أن طلب محافظ الجيزة بتحويل جزيرة القرصاية إلى منطقة سياحية لم يلقَ ترحيباً من رئيس مجلس الوزراء حينذاك كمال الجنزوري، كما أنه لفت نظره إلى إمكانية حدوث اعتداءات على هذه الجزر فأصدر قرارا برقم 1969 لسنة 1998 باعتبار كل الجزر الواقعة داخل مجرى نهر النيل بشمال ووسط وجنوب الوادي وقناطر الدلتا وفرعي رشيد ودمياط محميات طبيعية طبقا لقانون البيئة.

وبموجب القرار السابق أصبح "محظورا القيام بأعمال أو تصرفات أو أنشطة أو إجراءات من شأنها تدمير أو إتلاف أو تدهور البيئة الطبيعية أو الإضرار بالحياة البرية أو المائية أو النباتية أو المساس بمستواها الجمالي بمناطق المحميات المشار إليها ويحظر على وجه الخصوص إقامة المباني أو المنشآت أو شق الطرق أو تسيير مركبات أو ممارسة أية أنشطة زراعية أو صناعية أو تجارية أو سياحية في مناطق المحميات أو المناطق المجاورة لها إلا بتصريح من رئيس مجلس الوزراء"، وبذلك أغلق الجنزوري الباب مؤقتا امام أطماع المستثمرين في الجزر الواقعة في مجري النهر.

وعلى الرغم من أن الحكومة في هذا الوقت كانت قد بدأت برنامج الخصخصة وما ترتب عليه من بيع شركات القطاع العام، إلا أن قرار الجنزوري فرض حماية منعت المستثمرين من الاقتراب من هذه الجزر ولو مؤقتا وإلى حين.
 

 
 


رفع الحماية عن الجزر

لم يكتب للحماية التي فرضها الجنزوري البقاء، فبعد عام واحد من إصدار القرار وتحديدا في عام 1999، وبعد "انتخاب مبارك لفترة ولاية رابعة" تم تكليف الدكتور عاطف عبيد وزير قطاع الإعمال في الحكومة السابقة، ومهندس عملية الخصخصة، بتشكيل حكومة أخرى جديدة ورئاستها، وتغيرت توجهات الحكومة في ما يتعلق بملف جزر نهر النيل، إذ بدأت في التراجع عن القرارات السابقة بفرض الحماية فاتخذت قرارات بإخلاء بعض الجزر وسمحت بالتنمية السياحية لجزر أخرى.



قرار عدم تجديد عقود الإيجار لجزيرة القرصاية


كانت البداية مع جزيرة القرصاية إذ تقدم أمير سعودي بطلب لإقامة مركز سياحي متكامل على مساحة (100 ألف متر) بحسب ما جاء في حيثيات حكم محكمة القضاء الإداري رقم 782 لسنة 62 قضائية، ما دفع الحكومة إلى عقد اجتماع لمناقشة الأمر، ومن اللافت أن الاجتماع عقد في مقر وزارة الدفاع في 7 يونيو/حزيران من عام 2001 وانتهى الإجتماع إلى ضرورة إخلاء الجزيرة وتم تكليف الجهات الإدارية بإخطار جميع المتعاملين في جزيرة القرصاية بعدم تجديد تأجير الأراضي الزراعية في الجزيرة بعد 30 أكتوبر/تشرين الأول من عام 2007.

ثانيا: إعداد دراسة بالبدائل المختلفة للتعامل مع أراضي وضع اليد والمنشآت التي تمت إقامتها بالفعل، واقتراح أسلوب تحصيل حق الدولة عن هذه الأراضي.

ثالثا: توحيد جهة الولاية على أرض الجزيرة بالتنسيق مع محافظ الجيزة. ومن الملاحظ أنه لم يتم تحديد من هي هذه الجهة الإدارية صاحبة الولاية على أراضي الجزيرة، والتي ستقوم بالتنسيق مع محافظة الجيزة.

وتبلغ مساحة جزيرة القرصاية 139 فدانًا، وتتبع محافظة الجيزة إداريًا، ويبلغ عدد سكانها حوالي 5 آلاف نسمة يعملون فلاحين وصيادين وموظفين، ويتركز معظمهم في الجهة القبلية، بينما تضم الجهة البحرية للجزيرة أراضيَ زراعية.

عدم جواز إخلاء مباني وأراضي جزيرتي الدهب والوراق

بعد أيام قليلة من اجتماع الحكومة في وزارة الدفاع، وعلى النقيض من قرارها السابق بضرورة إخلاء الجزيرة في عام 2007، وثق معد المادة إصدار رئيس مجلس الوزراء قراراً برقم 848 / 2001 بشأن عدم جواز إخلاء أي مبنى من المباني السكنية المقامة حتى تاريخ العمل بهذا القرار في جزيرتي الدهب والوراق بمحافظة الجيزة، كما حظر القرار التعرض لحائزي الأراضي الزراعية في الجزيرتين المشار إليهما، ليخلق ذلك القرار وضعا استثنائيا يمكّن سكان الجزيرة من إثبات ملكية أراضيهم عن طريق توثيقها في الشهر العقاري، الأمر الذي لن يحدث بعد ذلك إذ سترفض مكاتب التوثيق تنفيذ هذا القرار، ما دفع عدداً من أهالي الجزيرة إلى إقامة دعوى أمام القضاء الإداري لإلزام الشهر العقاري بتنفيذ هذا القرار.

وتوضح الأحداث السابقة أن الهدف من إصدار هذا القرار والامتناع عن تنفيذه على أرض الواقع، هو كونه أصبح حجة على السكان الذين لم يوثقوا أراضيهم.

وفي عام 2007، وحلول موعد تنفيذ اجتماع وزارة الدفاع في 2001 فتح ملف الجزر مرة أخرى، إذ اقتحمت القوات المسلحة جزيرة القرصاية لإخلائها، وتردد حديث عن استثمارات قريبه في جزيرة الوراق.



ظهور الجيش كمستثمر وإنشاء جزيرة المعادي


أسفر اجتماع مجلس الوزراء في مقر وزارة الدفاع في عام 2001 ونتائجه التي كان أهمها قرار إخلاء جزيرة القرصاية بحلول عام 2007، عن بدء أعمال ردم جزء من مجرى نهر النيل، أمام المستشفى العسكري للقوات المسلحة في المعادي لتكوين جزيرة صناعية وأنشئت هذه الجزيرة على أنقاض جزر صغيرة متفرقة في هذا الجزء من النهر، إذ تم ردم المسافات فيما بينها وطمسها، باستخدام الرمال والدبش الأبيض والأعمدة الخرسانية، ما دفع عدداً من المحامين، وعلى رأسهم المحامي أحمد نبيل الهلالي، ووكيلا الطاعنين المحاميان أحمد سيف الإسلام حمد ومحمد إبراهيم محمد إلى تقديم بلاغات للنيابة العامة، وجهاز حماية البيئة ثم رفع دعوى قضائية في القضاء الإداري مطالبين بوقف هذه الأعمال والإفصاح عمن يقف وراءها، الأمر الذي لم يتحقق حتى إتمام بناء الجزيرة وافتتاحها مزاراً سياحياً وترفيهياً تابعاً للقوات المسلحة نفسها، ليكون هذا أول مشروع سياحي بمجري النهر ولم تكتف وزارة الدفاع بالاستيلاء على مجموعة جزر صغيرة متفرقة، بل قامت بردم مجرى النهر ما يخالف ليس قانون البيئة فحسب، بل قانون حماية نهر النيل الذي يجرّم ردم مجرى النهر.

ولم يكن ما حدث مع جزيرة المعادي إلا بداية لتغيير جذري في تعامل الحكومة مع ملف الجزر، إذ فتح ذلك الأمر أبواب الاستثمار على مصراعيه، في تغيير واضح لسياسات الحكومة وبالمخالفة أيضا لقرار رئيس مجلس الوزراء السابق كمال الجنزوري باعتبار الجزر محميات طبيعية، والذي كان معمولا به.
 

 
 


تدخل الجيش في جزيرة القرصاية

في 11 سبتمبر/أيلول من عام 2007 فوجئ أهالي جزيرة القرصاية بـ 100 من عناصر الجيش على مراكب نيلية كبيرة، يقتحمون الجزيرة لمصادرة أراضيهم وطردهم منها، وسبق هذا الاقتحام نزول قوات من الجيش قبل هذه العملية بثلاثة أشهر، رفع خلالها مهندسون عسكريون مساحة الجزيرة بالكامل، ثم تبع ذلك خطابات رسمية من وزارة الزراعة تخبر الأهالي بضرورة إنهاء التعاقد معهم، وإخلاء الأراضي خلال شهر بعد أكثر من 80 عامًا عاشوا خلالها في الجزيرة بحسب إفادة أهالي الجزيرة.

ويعد تدخل وزارة الدفاع في جزيرة القرصاية لتنفيذ القرارات التي صدرت في اجتماع مجلس رئاسة الوزراء بوزارة الدفاع في عام 2001، بإخلاء الجزيرة لصالح محافظة الجيزة، بهدف تمكين المستثمر السعودي من إقامة استثماراته على أراضي الجزيرة، بداية علاقة وزارة الدفاع بجزيرة القرصاية، على أثر ذلك أقام سكان الجزيرة دعوى أمام القضاء الإداري بمجلس الدولة، انتهت بحكم صادر لصالحهم في 2008 يُلزم الحكومة بعدم إجلائهم من الجزيرة، ثم أيدته المحكمة الإدارية العليا الحكم في عام 2010.

وأكد كل من حكم القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا أن تدخل القوات المسلحة لتنفيذ مهمة إخلاء الجزيرة أمر مخالف وغير مقبول، فجاء في مدونات حكم القضاء الإداري: "أن أوراق الدعوى قد أفصحت عن نية الإدارة الاستعانة بالقوات المسلحة لتنفيذ تعليمات رئيس مجلس الوزراء بإخلاء الجزيرة، رغم عدم وجود بدائل من سكن أو مصدر رزق يدفع عن سكان الجزيرة غائلة الجوع وخطر التشرد المحدق، وهي مخاطر تعلو بلا شك وتفوق الأضرار الناجمة عن استرداد الإدارة لأراضي الجزيرة".

وأضافت حيثيات حكم الإدارية العليا في الصفحتين التاسعة عشرة والعشرين أن: "بعض الصور الفوتوغرافية المقدمة ضمن حافظة المستندات المقدمة من المطعون ضدهم بجلسة مارس/آذار من عام 2007 أوضحت "قيام بعض أفراد القوات المسلحة باقتحام الجزيرة، ولا خلاف على أن كل ما تقدم يقطع بأن تدخل وزارة الدفاع وغيرها من الجهات الإدارية الأخرى بشأن التصرفات الخاصة بأرض الجزيرة يمثل تدخلاً غير مبرر".



الادعاء بتملك القوات المسلحة أجزاءً من الجزيرة


فوجئ أهالي جزيرة القرصاية بقيام عناصر من القوات المسلحة فجر يوم 18 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2012 بمداهمة أراضي جزيرة القرصاية باستخدام زوارق بحرية، ما أسفر عن اشتباكات بين الأهالي وقوات الأمن، ووقتها صرح العقيد أركان حرب أحمد محمد علي المتحدث العسكري الرسمي للقوات المسلحة بأن "تاريخ تواجد الجيش على أرض الجزيرة يعود إلى عام 2007، حيث قام بشغل الأماكن الفضاء في الجزيرة وكانت حينها عبارة عن أراضي هيش ناتجة بفعل طرح النهر وأن القوات المسلحة قامت بتطوير هذه المناطق وإنشاء مرسى للسفن النهرية وتجهيزها لخطط الدفاع عن العاصمة، وكنقاط ارتكاز لقوات تأمينها أثناء العمليات والتوتر".

واحتجت وزارة الدفاع بوجود قرار من رئيس الجمهورية عام 2001 يخوّل وزير الدفاع بتقديم طلب بتحديد الأراضي الصحراوية ذات الأهمية الاستراتيجية العسكرية، على أن يصدر رئيس الجمهورية هذا القرار لتخصيص هذه الأراضي للقوات المسلحة، إلا أن ما حدث هو أن وزير الدفاع أصدر قراره باعتبار جزء من جزيرة القرصاية مساحته 25 فداناً أرضاً استراتيجية ذات أهمية عسكرية، ووثق هذا القرار بمكاتب التوثيق التابعة للوزارة، من دون وجود قرارات من قبل رئيس الجمهورية وفقا لما وثقه معد المادة.

كما أن ما تدعيه وزارة الدفاع من ملكية أراضٍ في الجزيرة مردود عليه بالآتي:

أولاً: أول عهد لوجود القوات المسلحة على جزيرة القرصاية كان عام 2007 بناء على تفويض صادر من الحكومة بتاريخ 21 مايو/أيار من عام 2007 تنفيذا لقرارات مجلس الوزراء المنعقد في يناير 2001 بمقر وزارة الدفاع، وأن دور وزارة الدفاع كان دورا تنفيذيا فقط، حيث عهد لها بمهمة إخلاء الجزيرة، وهو ما رفضته محكمة القضاء الإداري والإدارية العليا واعتبرته إقحاما للقوات المسلحة في دور ليس لها.

ثانياً: سلطة إصدار قرارات تحديد الأراضي الصحراوية ذات الاستراتيجية العسكرية معقودة لرئيس الجمهورية بناء على القانون رقم 7 لسنة 1991 والذي أسند هذا الاختصاص لرئيس الجمهورية بقرار يصدره بعد موافقة مجلس الوزراء، بناءً على عرض وزير الدفاع.

ثالثاً: أراضي جزيرة القرصاية تخضع لقانون البيئة، فقد أدرجت بقرار رئيس مجلس الوزراء محميةً طبيعية عام 1998.

رابعاً: قرار رئيس الجمهورية رقم 152 لسنة 2001 بشأن تحديد المناطق الصحراوية الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية من الأراضي الصحراوية والقواعد الخاصة بها، لا يخص الجزيرة إذ إن أراضيها ليست من الأراضي الصحراوية.
 

 
 


محاكمة سكان الجزيرة عسكريا

لم تكتفي وزارة الدفاع بالتلاعب بالأوراق الرسمية من تسجيل أرض الجزيرة الواقعة في قلب نهر النيل كأرض تابعه لها باعتبارها أرضا صحراوية ذات أهمية استراتيجية عسكرية، بل استخدمت هذه الوثيقة في محاكمة الـ 26 مدنيا المقبوض عليهم يوم اقتحام الجزيرة في عام 2012 لإحالتهم للمحاكمة العسكرية، لتصبح هذه ورقة ضغط للتنازل عن الحق المدني للشاب الذي توفي اثناء اقتحام الجزيرة، في مقابل اخلاء سبيل باقي المتهمين او تخفيف العقوبات التي ستصدر بحقهم وهو ما حدث بالفعل.

وتشرح الأحداث السابقة كيف أن حالة جزيرة القرصاية أصبحت شاهدة على تحولات ليس فقط في مواقف الحكومات المتعاقبة وطريقة نظرهم لأرض الجزيرة كمادة خام للاستثمار، ولكن أيضا على تحول أولويات وزارة الدفاع فيما يتعلق بإنفاذ القانون وبدلا من استخدامها كمنفذ لخطط الحكومة أصبحت هي الأخرى حكومة موازية تنفذ لنفسها ما تريده وتستولي على ما تشاء من أراضي الوطن.

وحتى الان تقف على الشواطئ الغربية للجزيرة قطعه عسكرية تابعه للقوات المسلحة بدعوى حماية هذه المنطقة الصحراوية طبقا لما تدعيه الأوراق الصادرة من وزارة الدفاع، ولا يمثل ما حدث مع جزيرة القرصاية وسكانها إلا فصلا من فصول محاولات الحكومة ورجال الاعمال السيطرة على جزر النهر والتخلص من سكانها.

أوامر مباشرة من الرئاسة

اختلفت ملابسات اقتحام ومحاولات اخلاء جزيرة الوراق عن القرصاية، إذ لا يوجد خطابات معلنة قدمت من الحكومة، أو إنذارات رسمية وجهت لأهالي الجزيرة، ولكن الاخلاء جاء نتيجة لتوجيه مباشرا صادر من رئيس الجمهورية، عندما ألمح خلال مؤتمر إزالة التعديات على أراضي الدولة المنعقد في مسرح الجلاء وسط القاهرة في يونيو/حزيران من عام 2017، إلى أن سكان الجزيرة تعدوا على أرض أملاك دولة، وحولوها إلى منطقة عشوائية، تصرف مخلفاتها في النيل، وأنها تعتبر من المحميات الطبيعية وفقاً لقرار الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء الاسبق، ووجه السيسي شريف إسماعيل رئيس الوزراء الحالي إلى ضرورة أن تكون أولوية للحكومة في التعامل معها، وأن يكون هناك مخطط لتطويرها، ودخول رجال الأعمال فيها لتحويلها إلى منطقة استثمارية، وكانت هذه التصريحات بمثابة إشارة البدء لاستكمال مسلسل السيطرة على جزر النهر.

القوات المسلحة تتولي مهمة تطوير الجزيرة

بعد فشل قوات الامن التابعة لوزارة الداخلية في إخلاء الجزيرة فوجئ الجميع بظهور رئيس الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة اللواء كامل الوزير، والذي عقد لقاءً مع وفد من أهالي جزيرة الوراق بمقر الهيئة في أغسطس/آب من عام 2017، وصَرَّح، خلال اللقاء، أنه لا توجد أي مخططات لتهجير الأهالي من الجزيرة، وأوضح أن المطروح هو مشروع لتطويرها وتنميتها دون تهجير للسكان وأن القوات المسلحة هي المسؤولة عن مشروع تطوير الجزيرة وانه سيتمّ الحفاظ على الكتلة السكنية داخل الجزيرة كما هي.

ويطرح موقف القوات المسلحة الأخير من عملية تطوير جزيرة الوراق، وتوليها التفاوض مع سكان الجزيرة عدة أسئلة حول دور القوات المسلحة، ليس فيما يتعلق بجزيرة الوراق وحسب ولكن، بدورها في الاعتداء المنهجي على جزر نهر النيل وسكانها، وتحول دورها من حماية الشعب الي منافسة المستثمرين في التضيق على مقدرات هذا الشعب، ليبقي في النهاية المواطنين قاطني جزر نهر النيل، بين سندان حكومات رجال الاعمال المتعاقبة ومطرقة وزارة الدفاع، التي قررت أن تطحن المواطنين من أجل الاستثمار في هذه الجزر بعد أن توسعت في شتي المجلات الاقتصادية.


-------------------
* معد المادة مدير برنامج التقاضي الاستراتيجي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية سابقاً، وعضو وحدة أبحاث القانون والمجتمع في الجامعة الأميركية بالقاهرة سابقاً