صديقي خطيب: تعقيب وتوضيح ومحبة
نشر صديقي العزيز، خطيب بدلة، مقالة في "العربي الجديد"، تتصل بمقالتين، كتبتهما حول أزمة الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ومشكلاته الأخيرة، نشرهما "العربي الجديد" في يومين متتاليين، اعتبر أن ثانيتهما اتسمت بغضبٍ شديدٍ، أملاه ما أسماه "خروجي عن طوري". هذه المقالة التي تحدثت فيها عما جرى في الائتلاف، قبل وخلال انتخابات الرئاسة الأخيرة، وقدمت فيها صورة أمينةً عما حدث بالفعل، اعتبرها الصديق "سابقة غريبة في العمل السياسي الوطني"، ورأى فيها "نشر غسيل" الهيئتين، اللتين أنتمي إليهما: الائتلاف والكتلة الديمقراطية.
يبدو أن الصديق نسي تاريخنا المشترك في الحزب الشيوعي، حيث كان كل تذكير بأحداثٍ ماضية يُدان باعتباره "نشرَ غسيل"، كما نسي، على ما يبدو، ما درج عليه عدد كبير من أعضاء الائتلاف من "نشر غسيل" بعضهم بعضاً بصورة يومية. يعني تذكير صديقي بهاتين الحقيقتين أنّ من حقي اعتبار نفسي غير "مسؤول عن ابتداع شيء جديد في العمل السياسي الوطني"، كما يقول خطيب، علماً بأنني لم أنشر أي غسيل، بل ذكرت وقائع دامغة يصعب تكذيبها، أو نفيها، لاعتقادي أن تعريف الرأي العام بما يدور في الائتلاف واجب وطني، خصوصاً في المحنة التي نعيشها، وتعود في جزءٍ كبير منها إلى المطابخ السرية، وما تحجبه من معلومات عن الشعب، لكن خطيباً يخبرني أنه نشر "غسيل" غير جائز، وهو ما أختلف معه بكل صراحة فيه.
يقول صديقي بحق: إنني أيدت انتخاب أحمد الجربا رئيساً للائتلاف، وقلت إنه شهم وجيد ويريد العمل في إطار ديمقراطي. كان هذا قبل عام، عندما حملت ريح ديمقراطية الأستاذ الجربا إلى سدة الرئاسة في الائتلاف، وفق برنامج أقرته "القائمة الديمقراطية" التي ضمتهم، ثم الهيئة السياسية، وعد بتنفيذه بالتعاون مع أعضاء الائتلاف، جوهره استعادة القرار الوطني السوري، عبر مأسسة الائتلاف، بطرق تجعله مرتبطاً بمصالح الشعب السوري العليا وثورته، وليس بأي شخص أو تيار، وتأسيس جيش وطني حر على أنقاض الشتات القاتل السائد في الحقل العسكري، وحكومة تنجز مهام تنفيذية رسمية، في المناطق التي أخرج النظام منها.
هل التزم الأستاذ الجربا بما تعهد بتنفيذه؟ وهل سكتُّ عنه بعد انتخابه؟ أرجو أن لا يكون صديقي قد نسي ما قلته في اجتماع "القائمة الديمقراطية"، التي أسستها مع بعض الأصدقاء قبل التوسعة، لأغراض تخدم تصحيح مسار الائتلاف وتوجهه الديمقراطي، على العكس من "الكتلة الديمقراطية"، التي أسسها الجربا، بمعونة الأستاذ فايز سارة، لأغراض تبين أنها محض انتخابية وكيدية، بخلاف ما يقوله خطيب، الذي لا يفرق بينهما. يتذكر أعضاء "القائمة" أنني استعرضت أمامهم ما يفعله الجربا، وطالبتهم بمعارضته، والتنصل العلني منه، وإلا خنّا، مثله، النهج الديمقراطي الذي جاء به إلى الرئاسة، فخانه.
أرجو أن يتذكر خطيب، أيضاً، أن بعض الزميلات والزملاء عارضوني، واعتبروا ما قلته حكماً سابقاً لأوانه على تصرفات رئيس الائتلاف، الذي يجب أن نترك له فرصة تحقيق ما يريده، قبل إعلان القطيعة معه. من جانبي، لم أتراجع عن تقديري، ودأبت، منذ ذلك الاجتماع، على نشر مقالاتٍ، تنتقد الخط الذي يعتمده الجربا، والنتائج التي تترتب عليه، والسكوت حيالها، وسجلت ما أراه كتابة، بينما شرع غيري يقوله في أحاديثه، بعد أن صار جليا أن الأستاذ الجربا فارق الديمقراطية وعالمها، وتنكر لالتزاماته، واستبدلها بخط رئاسي/ فردي، تابعه مع عدد قليل من "الديمقراطيين"، شكل منهم مطبخاً سرياً، حصر كل شيء بيده. قلت عدداً قليلاً من "الديمقراطيين".
كم كنت أتمنى لو أن صديقي خطيب توقف عند الواقعة المرعبة، وهي أن معركة الرئاسة الأخيرة لم تدر بين شخصين مختلفين في الانتماء والتوجه، بل بين عضوين مـمّا أسموها "الكتلة الديمقراطية"، وأن أحد زعمائها اعتبر أن انتصار الأستاذ، هادي البحرة، ستترتب عليه معركة "كسر عضم" ضد "رفيقه في الكتلة"، موفق نيربية، الذي كانت قد اختارته مرشحاً للرئاسة بأغلبية أصواتها، بينما أسقطت هادي البحرة، الذي افترضنا أنه قبل النتيجة، لكن ضغوط رئيس الائتلاف، الأستاذ الجربا، أدت إلى إلغاء قرار الأغلبية، وفرضت انتخابات ثانية، فاز فيها هادي بأحد عشر صوتاً، ضد لا شيء، فكيف بالله عليك، أستاذ خطيب، تعتبر الانتخابات الثانية شرعية، وأنت من رفض خلال الجلسة ترشيح هادي، وأعلنت أنك لن تلتزم بالتصويت له، كما أعلمنا من كان بصحبتك من الزميلات والزملاء في الاجتماع، الذي لم تتم دعوتي إليه، بحجة أنني مستقيل، لكن رئيس الكتلة وعد بالسماح لي بحضور الجلسة التالية، أي بعد أن يكون قد تم انتخاب هادي، وانتهى الأمر.
لقد قال عني إنني مستقيل، بل وقال لكم عندما قدمت له استقالتي وعارضتموني أنتم: خلوه يستقيل. اعتبرني السيد الرئيس مستقيلاً، على الرغم من أنني تلقيت دعوة رسمية منه لحضور اجتماعاتها على مدى يومي 2 و3 يونيو/حزيران، وأرسل لي بطاقة طائرة، وحجز غرفة في فندق؟ هل يُعامل مستقيل بهذه الطريقة، أم أن "أمر عمليات"– هذا القول محبب جداً إلى قلب الأستاذ الجربا– قد صدر باستبعادي، ليمر انتخاب هادي غير الشرعي؟ أستغرب، صديقي العزيز، أنك لا تفرق بين الانتخابين، وتعتبر الثاني منهما شرعياً، مع أنك عارضته، كما قيل لي، أنت وخمسة آخرون، وبما أنني بقيت وموفق في الفندق، فإن الانتخابات تكون قد مرت، عبر تغيير اثنين من العشرة، الذين صوتوا لموفق موقفهما، نعرف أنت وأنا اسميهما، خصوصاً وأن أحدهما انخرط في موجة بكاء مؤلمة بمجرد عودته إلى الفندق!
نعم، دعمت الجربا، لكنني طالبتكم، بعد قرابة شهرين من رئاسته الأولى، بالتنصل منه ومقاومة نهجه باسم الديمقراطية، ودأبت على انتقاده طوال الفترة التالية، كتابة وليس سراً وفي الكواليس، وفي النهاية، قدمت له كشف حساب علنياً، خمسة عشر يوماً قبل تحالفه مع الأستاذ مصطفى الصباغ، وانتخاب هادي غير الشرعي، في مقالة جعلت عنوانها "عام من الفشل".
أسألك، الآن، صديقي: ما الخطأ في دعم انتخاب شخص لرئاسة الائتلاف، أعلن التزامه باتفاق أقرّه جميع أعضاء "القائمة الديمقراطية"، التي كان هو نفسه عضواً فيها، جوهره تطبيق برنامج يحول الائتلاف إلى مؤسسة عمل وطني حقيقية، تتحرك موحدةً نحو أهداف الثورة والشعب، وحين تبين أنه لا يلتزم بما انتخب من أجله، دعوت إلى التنصل منه ومعارضته، وشرعت أطبق ما دعوت إليه في كتاباتي، ولم أفوت فرصة، إلا وتناولت سياساته فيها بالنقد والمعارضة؟ يؤسفني، حقاً، أنك نسيت موقفي منه، بعد أسابيع من انتخابه، وكان يعني، لو قبله الآخرون، فك ارتباط "القائمة الديمقراطية" معه، ومقاومة نهجه طوال الأشهر العشرة الماضية، خصوصاً وأنه كان قد بدأ، من جانبه، بفك ارتباطه معها، والتخلي عن نهجها.
أذكر، يومها، أنني قلت لمن اعترض على دعوتي من عضوات القائمة: من الضروري أن نعارض نهج الجربا منذ اليوم الأول، مهما كانت أخطاؤه صغيرة، لأن جميع أخطائنا القاتلة بدأت صغيرة، ثم صارت كارثية!.
بالمناسبة، لست من تحدث عن "خط أحمر". عندما ذكرت اسم الصباغ، قال لي صوتان، أحدهما للأستاذ زكريا الصقال: الصباغ خط أحمر، ولا يجوز الحوار معه. وعندما أعلن عن الاتفاق بينه وبين الجربا، سئل الأستاذ الصقال عن رأيه، فقال: "نحن نوسع تحالفات (نا)". لعلمك، صديقي خطيب، هذه الـ"نا" لا تعود إليّ، بل إلى من عقد الاتفاق، الاستاذ الجربا. لذلك اعتبرت قوله دليلاً إضافياً، يؤكد أن الأخ زكريا مقرب منه، وليس مني، كما تقول أنت.
نصل، الآن، إلى استقالتي: قلت إنني استقلت، لأن فايز سارة أعلن رفض الكتلة اعتماد ما أقره اللقاء التشاوري حول التوافق. الحقيقة أن ما جرى كان خلاف ذلك، فقد أخبرت الكتلة أن ما أقر هناك هو عين ما أقر هنا على وجه التقريب. عندئذ، سأل الأستاذ فايز لماذا لم تتم دعوة أحد من كتلة الجربا إلى الاجتماع، فأخبرته أن السبب يكمن في اعتراض الأستاذ الجربا على "الهيئة الاستشارية"، التي تمخض اللقاء التشاوري عنها، ورفضه الاعتراف بها أو بشرعيتها، وأعلمته أنه مدعو، هو نفسه، كرئيس كتلة، تأسست، بعد اللقاء، إلى حضور اجتماعاته، فرفض، وقال: هذه محاولة لتأسيس ائتلاف بديل، وهو لن يشارك فيها، لأن من يشارك يذهب إلى الطرف الآخر، إلى الصباغ. كنت متهماً، إذن، بالخيانة العظمى: الذهاب إلى الطرف الآخر، إلى الحليف اللاحق للأستاذين سارة والجربا، بينما كانت القائمة التي وزعها الأستاذ سارة علينا حول أعضاء الائتلاف تضعني في ما أسمته "القائمة المعادية"، مع أنني كنت مشاركا في اجتماعها.
لذلك، كان بقائي فيها يعد استهانةً حقيقيةً مني بكرامتي، وقبولي بالتحقير الذي يوجه إلي، والسير بعكس ما تمليه علي قناعاتي ومواقفي: كنت في الطرف الآخر بأقوال الأستاذ فايز، المعادي، بتصنيفات المطبخ السري، فماذا أفعل في كتلة لمؤسسها ورئيسها هذا الموقف "الديمقراطي والرفاقي جداً" مني؟
أخيراً، لم يتم اجتماع اللقاء التشاوري في غازي عينتاب، كما ذكرت في مقالتك، أيها العزيز، بل كان في اسطنبول.
مودتي الأخوية والدائمة لشخصك الكريم، وإلى اللقاء في كتاب يجمعنا، يشرّفني أن يكون اسمي إلى جانب اسمك فيه!