صدمة في إسرائيل: المقاومة الفردية الفلسطينية تضرب في الصميم

19 نوفمبر 2014
يتوقّع مراقبون أن تتطور الأمور في القدس (عصام ريماوي/الأناضول)
+ الخط -

لم يتأخر الردّ كثيراً على جريمة قتل السائق الفلسطيني يوسف الرموني، على أيدي مستوطنين متطرفين شنقاً، مساء الأحد، ما صدم وفاجأ الأمنيين والسياسيين في إسرائيل، الذين استيقظوا في ساعات الصباح الأولى أمس الثلاثاء، على هجوم فلسطيني نوعي وفردي، لا يستطيع الاحتلال إحباطه، وربما لا يستطيع التعامل معه أيضاً.

ويرى مراقبون أن "هذه العملية النوعية ضاعفت من شعور الإسرائيليين بانعدام الأمن"، وسط ارتفاع في وتيرة التهديدات التي وجهها وزراء في حكومة (رئيس الوزراء بنيامين) نتنياهو، ومن بينهم نتنياهو نفسه، ورئيس بلدية الاحتلال في القدس المحتلة، نير بركات، الذين توعّدوا المقدسيين بإجراءات قاسية جداً، بما يعني الإقبال على مزيدٍ من التصعيد في القدس.

وتأتي هذه التطورات، وسط تصاعد اعتداءات المستوطنين المتطرفين على المسجد الأقصى، والتعرّض للفلسطينيين، حتى وصل الأمر بهم إلى ارتكاب جريمة القتل البشعة بحق السائق الرموني. وهي الجريمة التي توقع كثيرون أن تلقى رداً فلسطينياً، لكن الردّ جاء أسرع مما توقعه المراقبون والمحللون، كما لم يكن بعيداً عن مقرّات ودوائر حكومية إسرائيلية في قلب القدس.

وكان مسؤول "ملف القدس" في حركة "فتح" حاتم عبد القادر، حذّر في تصريحات لـ"العربي الجديد"، من أن تؤدي جريمة قتل الشهيد الرموني إلى تصعيدٍ وردٍّ نوعي، في فعل الشارع المقدسي الذي يشهد انتفاضة حقيقية. وتوقّع أن تفضي هذه الجريمة إلى تطور ردود فعل الشارع الفلسطيني على جرائم القتل المتزايدة التي تُنسب إلى مستوطنين.

وفي موازاة ذلك، تتزايد الاعتداءات العنصرية من جانب المتطرفين اليهود بشكل لافت، انطلاقاً من الأحياء اليهودية المتاخمة للأحياء الفلسطينية في القدس، تحديداً في بلدة سلوان، وأحياء الثوري، والشيخ جراح من المدينة المقدسة.

وسهّل هذا التداخل الجغرافي والديمغرافي الاستيطاني لجماعات التطرف اليهودية، من اقتراف جرائمها، والإفلات من العقاب والمساءلة، من قبل شرطة الاحتلال. وتعمل الشرطة على إطلاق سراح مرتكبي الجرائم من دون عقاب، وذلك عبر الادّعاء بأنهم "أطفال وفتية قاصرون"، فيما تبحث عن مخارج لمن تستمرّ في اعتقاله، لتساعده في الإفلات من العقاب، كما يجري حالياً في ملف الشهيد محمد أبوخضير، الذي قُتل على أيدي المستوطنين في يوليو/تموز الماضي حرقاً، وهو حي.

ويتوقع مدير "مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية"، زياد الحموري، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "تتصاعد جرائم الكراهية العنصرية بحق المقدسيين، وأن تشهد عنفاً أكثر من ذي قبل، كما حدث مع الشهيد الرموني، الذي ضُرب وعُذِّب على ما يبدو، قبل أن يتم شنقه وخنقه حتى الموت".

وأشار الحموري إلى أن "مؤسسته رصدت منذ مطلع العام الحالي وحتى الآن، أكثر من 60 حالة اعتداء عنصري، وقعت غالبيتها في الأشهر الأربعة الأخيرة، أي منذ اغتيال الشهيد أبوخضير وحتى الآن". وكان التوسع الاستيطاني في القدس، وانتقاله إلى داخل الأحياء الفلسطينية، سواء في البلدة القديمة، أو في جوارها، ضاعف من حجم هذه الاعتداءات، وسهّل اقترافها. علما أن بؤر الاستيطان في المدينة المقدسة، والتي يربو عددها على 100 بؤرة استيطانية، تحوّلت في غضون السنوات الثلاث الماضية، إلى أماكن يقطنها المئات من غلاة المتطرفين.

ومن أولئك الغلاة من أنهى خدمة متقدمة في وحدات النخبة بالجيش الإسرائيلي، ومنهم عناصر من المافيا والعالم السفلي، الذين تابوا والتحقوا بالمعاهد الدينية والتلمودية. ويتركز وجود هؤلاء في عقارات حول المسجد الأقصى، ويشارك جزء منهم في الاقتحامات اليومية للأقصى، ويتلقون إرشادات وتعليمات يومية من حاخامات متطرفين أمثال يهودا غليك، الذي تعرّض قبل أكثر من أسبوعين لمحاولة اغتيال، بينما تموّل الحكومة الإسرائيلية أنشطة هؤلاء التخريبية بتوفير الحماية الدائمة لهم، وتنفق على حراستهم سنوياً ملايين الدولارات. وما بين جريمتي حرق الشهيد أبوخضير وشنق الشهيد الرموني، ينشأ في القدس واقع يصفه المقدسيون بأنه أشبه بما عاشته مدينة بلفاست عاصمة إيرلندا الشمالية، في العقود الماضية.

ويستبعد جيل من الشباب الفلسطيني في القدس بعد هاتين الجريمتين وما بينهما من اعتداءات عنصرية، أن تنعم مدينتهم بعد اليوم بالهدوء الذي وعد به رئيس الوزراء الإسرائيلي، ودفع بالآلاف من قواته إليها، فانتفاضة القدس التي انطلقت في يوليو/تموز الماضي بعد استشهاد أبوخضير متواصلة ومستمرة، لتشكل جيل انتفاضة جديدة يمد يده إلى الضفة الغربية، التي باتت بعض مدنها تتململ على وقع الدم الفلسطيني المراق في شوارع القدس.
ولم تكن عملية أمس الأولى بطبيعة الحال، فقد سبقتها عمليات عدّة في العقد الأخير، وأبرزها كانت عملية اغتيال رحبعام زئيفي، وزير السياحة في حكومة آرييل شارون، في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2001، حين أطلق 4 أشخاص النار عليه. وأعلنت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، في حينه، مسؤوليتها عن اغتيال زئيفي، انتقاماً لاغتيال أمين عام الجبهة في أغسطس/آب 2001، أبوعلي مصطفى.

كما تبرز عملية 2 ديسمبر/كانون الأول 2001، حين قُتل 10 مستوطنين، وجُرح أكثر من 180 آخرين، في 3 انفجارات عنيفة هزت القدس الغربية. واستشهد منفذا العملية، المنتميان إلى حركة "حماس"، في الانفجارين.

وفي 9 أغسطس/آب من عام 2001، قُتل 15 إسرائيلياً وجُرح حوالى مائة آخرين في انفجار قوي في أحد مطاعم القدس الغربية. واستشهد منفذ الانفجار ويدعى عز الدين الشيخ أحمد المصري (23 عاماً)، وهو عضو في "كتائب عزالدين القسام".

وأُصيب حوالى 30 إسرائيلياً، بعدما أطلق الشهيد الفلسطيني الفتحاوي سعيد رمضان (24 عاماً) النار عليهم في وسط القدس الغربية، في 22 يناير/كانون الثاني 2002. كما استشهد الفتحاوي محمد ضراغمة الشوعاني، حين فجّر نفسه بالقرب من مدرسة للمتشددين اليهود في حي "بيت إسرائيل" بالقدس، مما تسبب في مقتل 10 إسرائيليين وجرح 40 آخرين على الأقل.

واستشهد الفدائي الحمساوي إسماعيل الحوراني، بعد أن فجّر نفسه في مطعم يقع على بعد حوالى 50 متراً من منزل شارون، في 9 مارس/آذار 2002. وقُتل 11 إسرائيلياً وجُرح 40 آخرون في العملية. ونفّذت الشهيدة الفتحاوية آيات محمد الأخرس (16 عاماً) عملية فدائية في أحد المراكز التجارية في القدس الغربية، أدت إلى مقتل 3 إسرائيليين وجرح 20 آخرين. وذلك في 29 مارس/آذار من عام 2002.

وفي 19 يونيو/حزيران 2002، فجّر فدائي فتحاوي نفسه قرب محطة للحافلات في مستوطنة التلة الفرنسية، شمال مدينة القدس المحتلة، مما أسفر عن مقتل 7 إسرائيليين وجرح 40 آخرين. وفي مدينة قلقيلية، شمال الضفة، قُتل جندي إسرائيلي وأُصيب 7 آخرون بجروح مختلفة في اشتباك مسلح بين جنود الاحتلال ورجال المقاومة الفلسطينية.

أما في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2003، فقد فجّر فدائي فلسطيني نفسه، داخل حافلة ركاب إسرائيلية قرب ضاحية "كريات مناحيم" في القدس الغربية، مما أسفر عن مقتل عشرة إسرائيليين وجرح ما يزيد على 40 آخرين. وأعلنت حركتا "الجهاد الإسلامي" و"حماس" مسؤوليتهما عن العملية الفدائية، التي نفّذها الحمساوي رائد عبد الحميد مسك (29 عاماً)، والتي وقعت في حافلة ركاب في القدس الغربية وأسفرت عن مقتل 20 إسرائيليا وجرح نحو 120 آخرين، في 19 أغسطس/آب من عام 2003. وفجّر الفدائي الفتحاوي علي منير يوسف جهارا، نفسه في حافلة للركاب في القدس، أسفرت عن مقتل 10 إسرائيليين وجرح حوالى 50 آخرين، في 29 يناير/كانون الثاني من عام 2004. كما تبرز العملية الفدائية في 22 فبراير/شباط من عام 2004، حين فجّر الشهيد الفتحاوي محمد خليل الزعول، نفسه في حافلة إسرائيلية في القدس الغربية، وقتل ثمانية إسرائيليين وجرح 62 آخرين.