صدمة أسعار النفط ...توقعات متشائمة تدحضها كلف الانتاج

23 مارس 2020
الصورة
حرب الأسعار بين موسكو والرياض فاقمت أزمة النفط (Getty)
+ الخط -

تتباين توقعات تراجع أسعار النفط في العالم، بين المعسكر المتشائم الذي يتوقع تراجع الأسعار إلى مستويات تراوح بين 10 إلى 5 دولارات للبرميل، وبين من يرى أن الأسعار قد تستمر حول مستوى 20 دولاراً للبرميل في خلال الأشهر المقبلة.

مجموعة "سيتي غروب" الأميركية توقعت، يوم الخميس الماضي، حسب ما نقلت وكالة بلومبيرغ، تراجع الأسعار إلى 17 دولاراً في الربع الثاني، بل قالت إن الأسعار ربما تتراجع إلى 5 دولارات مع إمكانية انخفاض الأسعار إلى المنطقة السلبية في بعض المناطق بسبب نقص التخزين والخدمات اللوجستي، من جانبها توقعت شركة "إنيرجي أسبكت" الأميركية تراجع الأسعار إلى 10 دولارات، بينما توقع مصرف "غولدمان ساكس" تراجع الأسعار إلى 20 دولاراً.

ومن بين الأسباب التي تدعو إلى هذه التوقعات الدنيا لسعر النفط تفشي فيروس "كوفيد 19" بسرعة في أميركا وأوروبا، ما أدى إلى إغلاق الحدود ومحاصرة نحو مليار نسمة في منازلهم. وهو ما يعني، بحسب خبيرة النفط الأميركية آمي جافيه، في تحليل بموقع "مجلس العلاقات الأميركية"، أن هنالك تراجعاً كبيراً في مجالات استهلاك النفط في مجال الطيران والنقل والمواصلات والصناعة. أما السبب الثاني فهو الحرب النفطية بين الرياض وموسكو وإعلان السعودية عن ضخ 13 مليون برميل في السوق.

ولكن هذه التوقعات المتشائمة لأسعار النفط تفتقر إلى الدقة والواقعية بسبب المجاهيل العديدة التي تحكم العرض والطلب العالمي على النفط، وكذلك للجدوى الاقتصادية التي تتحملها الشركات المنتجة للنفط لدى حساب الخسائر، وذلك حسب محللين.

وتعمل دول العالم الكبرى المنتجة للنفط، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على معالجة انهيار أسعار النفط، التي تكلفها غالياً على صعيد انهيار أسواق المال وسوق الائتمان، وعلى صعيد الكلفة السياسية للإدارة الأميركية، إذ يعدّ الرئيس دونالد ترامب لدورة رئاسية ثانية في انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

وتراوح كلف انهيار النفط بالنسبة للولايات بين ارتفاع إفلاسات الشركات النفطية في هذا الوقت الدقيق الذي يمر به اقتصادها، وبين إطلاق شرارة أزمة ائتمان في سوق القروض وتداعياته السالبة على أسعار صرف الدولار.
فالولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط خلال العام الماضي، إذ تنتج حالياً نحو 13 مليون برميل يومياً. كما أن كلفة إنتاج برميل النفط تقدر بأكثر من 36 دولاراً للبرميل، حسب بيانات شركة "رايستاد إنيرجي" النرويجية المتخصصة في أبحاث النفط. 

وبالتالي تعمل الإدارة الأميركية على منع انهيار الصناعة النفطية عبر آليتين، هما محاولة إقناع شركات النفط الأميركية للتعاون مع منظمة "أوبك" لخفض الإنتاج أو حتى إقناع روسيا بالعودة إلى مفاوضات خفض الإنتاج.

وكان وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، قد عقد اجتماعاً مع مسؤول روسي في نيويورك الأسبوع الماضي، دار حول ضرورة عودة التوازن إلى سوق النفط، كما أنه سيزور السعودية لإجراء مباحثات حول هذا الشأن حسب ما ذكرت الخبيرة الأميركية آمي جافيه. أما الآلية الثانية، فهي شراء الولايات المتحدة لنحو 77 مليون برميل لتخزينها في الاحتياط الاستراتيجي لرفع الطلب على النفط.

على صعيد الطلب العالمي، ترى شركات التجارة الكبرى، مثل فيتول وترافيغورا وغنيفر التي تتاجر يومياً في نحو 15 مليون برميل، أن الزيادة في الطلب العالمي على النفط في العام الجاري ربما ستتراجع إلى صفر أو إلى السالب في حال عدم السيطرة على فيروس "كوفيد 19"، حسب ما نقلت صحيفة "فاينانشيال تايمز".

وفي ذات الشأن تتوقع خبيرة الطاقة العضو بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، آمي جافيه، أن الطلب العالمي على النفط ربما سيتراجع بنسبة 50% خلال العام الجاري.

ولكن في المقابل، فإن التوقعات المتشائمة للنفط تحت 10 دولارات، تبدو غير واقعية، كما يرى اقتصاديون، إذ إن انهيار الأسعار حتى تحت 20 دولاراً للبرميل سيقود إلى توقف الإنتاج في العديد من الحقول النفطية بالعالم، إذ إن الإنتاج تحكمه الجدوى الاقتصادية، وبالتالي عندما تهبط الأسعار إلى مستويات تقل كثيراً عن كلفة الإنتاج وحتى عن كلف الترحيل للأسواق البعيدة ستتوقف معظم الحقول العالمية عن الإنتاج، وهو سيقود تلقائياً إلى ارتفاع الأسعار مرة أخرى بسبب قلة المعروض.

وحسب قائمة شركة "رايستاد إنيرجي"، النرويجية، لكلف الإنتاج في المتوسط، فإن كلف الإنتاج في المتوسط، حتى في دول الخليج، تفوق 5 دولارات للبرميل. وتقدر الشركة النرويجية، لكلفة لأقل كلفة لإنتاج البرميل  في العالم بنحو 8.5 دولارات للبرميل في الكويت، تليها السعودية بنحو 9.9 دولارات للبرميل، ثم العراق بنحو 10.7 وسلطنة عمان 11.3 دولاراً. 

لكن في مقابل هذه الكلف الرخيصة، تصل كلف البرميل المرتفعة إلى 36.3 دولاراً في أميركا والنرويج وأكثر من 29 دولاراً في كل من الصين والمكسيك. وفي روسيا تقدر كلفة البرميل بنحو 17.3 دولاراً للبرميل، كما تصل الكلفة إلى 41 دولاراً للبرميل في كندا و56 دولاراً للبرميل في حقول بحر الشمال في بريطانيا.

وبالتالي فإن العديد من الحقول ستتوقف عن الإنتاج في حال انخفاض الأسعار تحت 20 دولاراً، فضلاً عن 10 أو 5 دولارات. بناءاً على هذه البيانات،  فإن العديد من الخبراء في الصناعة النفطية يعتقدون بضرورة التعاون العالمي في الوقت الراهن لضمان استمرارية الصناعة النفطية في عمليات الإنتاج، حتى لا تحدث أزمة إمدادات في حقبة ما بعد السيطرة على فيروس "كوفيد 19".

المساهمون