صدر قديماً: "فلسفة النشوء والارتقاء" لـ شبلي شميّل

27 مايو 2017
الصورة
شبلي شميّل في رسم لـ أنس عوض (العربي الجديد)

في النِّصف الأول من القرن التاسع عشر، ازدهرت النزعة الوضعيّة في أوروبا، وساد الإيمان حينها بقدرة العقل البشري على تفسير كلّ الظواهر الطبيعية وإدراك قوانينها المادية. وتبعاً لذلك، حوصِرت الرؤى الدينية والتعليلات الماورائية بوصفها أوهاماً، تعجز عن فهم الكون المحسوس، وتُجافي الحقيقة.

وقد تأثرت قلةٌ قليلة من المثقفين العرب بهذه الأطروحة المغرية، فنعوا النسق اللاهوتي- الغيبي، ونادوا بتعويضه فكراً وضعياً، وعقلاً محضاً، ولا سيما في مجال الطبيعيات.

وقد برز من بين هؤلاء، شبلي شميّل (1860-1917) وهو طبيب لبناني، تلقى تعليمه في فرنسا وفيها تبحَّر في العلوم الطبيعية والنظريات الفلسفية، بعد أن سيطر فيها منذ منتصف القرن التاسع عشر نسق الفيسلوف وعالم الاجتماع أوغيست كونت (1798-1857) وخصوصاً ما جاء في "دروس الفلسفة الوضعيَّة" (1830 1842)، وكذلك كتابات داروين عن النُّشوء والارتقاء. فكان أن ترجم شميّل شروحَ الفيلسوف الألماني لوديفيج بَخْنَر (1824 -1899) عليه، وأضاف إليها مجموعة من المقالات العلمية، والتي جمعها في كتاب بعنوان "فلسفة النشوء والارتقاء" الصادر عن "دار مارون عبود" سنة 1884.

يشتمل الكتاب على مقالاتٍ في مذهب داروين، وعلى كتاب "الحقيقة"، وهو سلسلة مباحثَ أنجزها شميّل لتأييد هذا المذهب، وعلى تحاليل أخرى نُشرت في جريدة "المُقتَطَف" لإثبات الرأي المادي، وعلى مقدماتٍ وخاتمةٍ، وكلّها تستفيض في شرح مَذهب النشوء والتحوّل، وتطبّقه على علوم الإنسان وثقافاته، وتبرز تأثير التطوّر في أخلاقه وتمدّنه، من لَدُن العصر الإغريقي إلى القرن التاسع عشر.

في هذا المؤلّف راهن المفكر اللبناني على تحقيق أهدافٍ ثلاثةٍ: فقد اجتهد شميل أولاً في تطبيق نظرية الارتقاء على مظاهر الطبيعة كلها، ناطقِها وصامِتها، بما فيها من "جَماد ونبات وحيوان وإنسان"، واستخلاص الفوائد النفعية من الفَهم المحسوس للكون ونواميسه، بعيداً عن التأملات الصورية والأنظار المجرَّدة التي كبَّلت الفكر العربي لقرونٍ. فالمظاهر الثقافية تُفهمُ بوصفها خاضعة لنفس قوانين الظواهر الطبيعية، وتتطوّر وَفق ذات النواميس والخُطط.

وهكذا، برهن على أنَّ العناصر المجتمعية، مثل العقائد والفنون والأخلاق والفلسفات والصنائع، تنشأ حسب قانون الضرورة، ومبدأ المجهود الأدنى. وعليه، فسَّر عبارات الأديان ونظريات الفلسفة ومقولات السياسة بوصفها إنتاجاً بشرياً محضاً، أفرزه تعامل الإنسان مع محيطه الخارجي، وليست هي وحيَ سماء، ولا من تعليم الأنبياء أو نبوغ العظماء، فنادى بصوت مرتفع: "لا يَليقُ بنا أنْ نَتَمَسَّك بما كان في الأعصر الخاليَةِ من الأوهام، ولا أن نطرح ما تُبديهِ لنا الاكتشافاتُ والحَوادثُ من الحقائق، لِمُجَرّد كونه مُخالفاً لما انطَبَعَ في عقولنا". وفي كلامه انتقادٌ صريح للديانات، ودعوة واضحة إلى "الإلحاد"، بوصفه موقفاً فلسفياً، يتماهى مع رفض التصوّر الغيبي للكون والتعليل الخرافي لظواهره.

ويمكن اعتبار هذا الكتاب من أولى المحاولات الحديثة في نشر مبدأ العلمانية والتبشير بها. ومن المفارقات أنَّ هذا المجهود البرهاني كان أكثر حدةً وصراحةً في إقصاء البعد الديني وتحييده، من الدعوات المتأخرة التي ما انفكت تجامل جمهورها وتغضّ الطرف عن منازع الإيمان لديه.

وراهن شميّل ثانياً على إحداث رجَّة في العقل العربي "لإيقاظ الأفكار من نومها العميق، والحَرَكة مَهما كانت خير من السكون". وفي هذا الرهان همٌّ نهضوي واضحٌ، يسعى عبره إلى نشر العلوم الصحيحة (مثل الطب والطبيعيات)، حتى تزاحم بل وتقوِّض المعارف اللغوية والفلسفية والدينية التي أدركت - حسبَ منظوره التطوّري - مرحلة الاهتراء والوهن، ولم تعد قادرة على إقناع العقل.

وراهن المفكر اللبناني أخيراً على القطع مع الوعي الأسطوري للعالم، إذ كان جمهور الأمة العربية وقتها مقتصراً - في فهمه للكون- على التفسيرات الخرافية التي تنقلها بعض كتب التفسير، فضلاً عن التآليف الغَرائبية، مثل "عجائب المخلوقات" للقزويني.

ولئن كانت نبرة الكتاب النقدية جريئة وثورية، تغضبُ بصرامتها ودغمائيتها العلمية، فإنها تبعث على الإعجاب: طبيبٌ أعزلُ يحارب أرسَخ العقائد الدينية وأصول القيم الاجتماعية والأخلاقية تهديماً. ويحمل رؤية نسقية شديدة الوضوح، سلِسة الخطاب، متينة الحُجّة، ضمن توجُّهٍ تنويريٍّ صِرف، لا يتهيّب من مخاطبة الجمهور ولا يحابيه، يكتب بقوة ما يعتبره "الحقيقة الوحيدة".

وقد يكون مفيداً التساؤل ختاماً عن وَقع شبلي شميّل اليوم، وطرائق استعادتِه من قِبَل دعاة العلمانية اللاحقين، أكانوا سياسيين أو مثقفين، وعن كيفيات تقبّل معاصريه لأطروحاته، مع أنَّ الوضعية العلمية، التي بشَّر بها، استحالت هي الأخرى وهماً من الأوهام.

دلالات