صدر قديماً: "الوعي القومي" لـ قسطنطين زريق

30 سبتمبر 2017
الصورة
(قسطنطين زريق)

وأنا أقرأ السطور الأولى من كتاب المؤرخ القومي قسطنطين زريق "الوعي القومي: نظرات في الحياة القومية المتفتّحة في الشرق العربي"، والذي صدر لأول مرة في عام 1939، وجدتني أقول لنفسي: ما أشبه اليوم بالأمس!

يكتب زريق (1909-2000) في بداية كتابه: "رقد العرب بعد نهضتهم الكبرى في العصور الوسطى قروناً طويلة نسيهم فيها العالم ونسوا أنفسهم، واستكانوا للظلم والجهل والفقر المادي والروحي، تجرُّهم الحياة عضواً مشلولاً في الجسم الإنساني، حتى إذا بدت طلائع القرن الماضي، حاملة معها نسمات روح جديدة، تهب بها عليهم حضارة الغرب الحديثة، أخذوا ينتعشون تدريجياً، ويفتحون عيونهم لاستقبال نور الحياة المشرقة عليهم، المهيبة بهم إلى النهضة والعمل لاحتلال المنزلة اللائقة بهم بين الأمم.

بدأت هذه الروح الجديدة تهب عليهم نسمات رقيقة خفيفة، ثم أخذت تتابع وتقوى بتقدّم القرن الماضي والسنين الأولى من القرن الحاضر، حتى كانت الحرب العظمى فإذا بتلك النسمات قد أصبحت ريحاً شديدة، بل عاصفة هوجاء تتلاعب بالأمة العربية، وتقذف بها ذات اليمين وذات الشمال".

لقد وجدتني أفكر، وأنا أقف أمام العمل الرؤيوي لقسطنطين زريق، في أفضل طريقة لتقديم مساهمات روادنا من مفكري النهضة ومفكري التيار القومي وغير القومي، ممن كانت لهم مساهمة في بناء التفكير العربي وتفكير جيلنا أيضاً، فقلت إن الاكتفاء بتلخيص ما جاء في كتبهم، لن يكون كافياً، مهما كان مهماً، إن علينا أن ندخل في نقاش نقدي مع إنجازاتهم، لأنهم أبناء مرحلة أثرت فينا وما زالت بشكل كبير، ولهذا لا يمكننا غض النظر عن دراستهم ولا الاكتفاء بذلك الخطاب التبجيلي الذي يفسد العقل والروح.

إن علاقتنا بالماضي، القريب منه والبعيد، لن تكون سوى تفكيكيّة. وبلغة أخرى، إن علينا أن نتحلّى بشجاعة القطيعة، ولا أفهم القطيعة هنا، إلا باعتبارها مرادفاً للنقد، فلا قطيعة بدون نقد، ولا نقد بدون قطيعة. ومخطئ في الآن نفسه، من يعتقد بأن القطيعة، مناقضة للاستمرارية، بل إنها الاستمرارية نفسها، لكنها استمرارية داخل الزمن وليست خارجه.

إنها استمرارية نقدية. إن جاك دريدا في تفكيكه للفلسفة، وللمركزية العقلية، واشتغال منطق الشبيه بداخلها، لم يهدم التراث الفلسفي، بل إنه لم يكن بإمكانه التفكير أو التفكيك إلا من داخله، وقل الأمر نفسه عن هايدغر وهوسرل وكثير غيرهم، ممن دشنوا دروباً جديدة للتفكير.

وحتى أعود إلى العمل الرائد لقسطنطين زريق، هذا العمل التي تشعر أنه كان يكتبه بلحمه ودمه، أنه كان يشعر بكل كلمة يقولها فيه، وأنه كان فيه ابن مرحلته، مفرطاً في مرحليته، أو مفرطاً في وفائه لقضايا العصر، يتوجب أن نبدأ من أهم مفهوم يخترق كتابه "الوعي القومي"، وهو برأيي العقيدة القومية. فهي التي يطلب توضيحها، وهي التي يرنو إلى إشاعتها في عقول العرب وقلوبهم، وجعلها أساساً صالحاً للعمل القومي المنظّم.

أعتقد أنه يتوجب علينا اليوم أن نعيد النظر في أسس هذه العقيدة، وأن ما يجمعنا اليوم كعرب أو كشعوب مختلفة ومتعددة تعيش في "الزمن العربي"، هو المصير المشترك، وليس روابط اللغة أو الدين على أهميتها بالطبع. لقد أضحينا واعين اليوم، بأن للعالم العربي أكثر من لغة، وأن له أكثر من قومية وأكثر من دين، أو شكل للتدين، وحتى لا نترك للانتهازيات الطائفية الفرصة لتخريب هذا التعدد، وتحويله إلى تشتت وتشرذم، يتوجب التأكيد على المصير المشترك لمنطقتنا العربية.

لكن المصير المشترك لا يعني بالضرورة الوقوف ضد تطلعات الشعوب المختلفة للمنطقة، بقدر ما يعني التأكيد، أن لا مستقبل للمنطقة، خارج تضامن شعوبها وإثنياتها المختلفة، وأقول التضامن وليس الوحدة، لأن الوحدة ظلّت دائماً، وعبر تاريخها، فرضاً بالقوة، فرضاً من فوق، وهو أمر نعرفه من تاريخ البشرية وليس من التاريخ العربي فقط، في حين أن التضامن يشترط كيانات واعية ومستقلة وحرة. إن الوعي القومي، يجب أن يكون وعيا متعدّداً أو وعياً بالتعدد.

يرى زريق بأنه "ليس من أمل للنهضة القومية العربية ما لم تكن مستمدة من "فلسفة" قومية تصوّر روحها وتحدد اتجاهها، وتنصب لها الأهداف، وتعين لها السبل والوسائل". كما يرى ضرورة تحويل هذه الفلسفة إلى عقيدة قومية "تسير بأفراد العرب وجماعاتهم قدماً إلى الأهداف الصحيحة، وتملأ نفوسهم عزماً وأملاً، وتشيع فيها معنى وسمواً وجمالاً". وثالث ركن في هذا البناء القومي هو ما يسميه "التنظيم"، وبلغة أخرى، إخضاع إرادة الأمة للإرادة الوحيدة المنبعثة من العقيدة الواحدة.

وينتقد زريق الفوضى التي تعم الفكر القومي، ويضرب مثلاً بـطه حسين، معتبراً أنه ينتمي إلى "رجال العهد "المخضرم" الذين لا ينتظر منهم تفكير قومي خالص". والواقع أن العقود اللاحقة، ستميل إلى ترجيح موقف طه حسين وهو يكتب: "وأما أصحاب العقل الحديث فيفهمون هذه الوحدة على نحو ما تفهم عليه في البلاد المتحضرة (...) يفهمونها على أنها لا تنفع ولا تفيد إلا إذا احتفظت بالقوميات والشخصيات الوطنية والحريات الكاملة لأعضائها، والسيادة العامة لهم في حياتهم الداخلية والخارجية، وقامت على الحلف الذي لا يفني أمة في أمة ولا يخضع شعباً لشعب".

يطرح قسطنطين زريق سؤالاً مركزياً: على ماذا يقوم الوعي القومي؟ ويجيب أنه يقوم "على معرفة ماضي الأمة معرفة صحيحة، وفهم العوامل الطبيعية والتاريخية التي كونتها حتى جعلتها في حالتها الحاضرة، والكشف عن مصادر قواها الروحية الخاصة التي تمتاز بها عن غيرها من الأمم".

ويلخّص تلك المصادر في العرق واللغة والمعرفة بالثقافة والتاريخ. ويرى ضرورة أن نفهم كل هذه العناصر فهماً صحيحاً حتى نعرف من نحن وكيف تكوّنّا. ولكن على الرغم من أن زريق يؤكد أن علاقتنا بالماضي لا يجب أن تقوم على "التغني بمآثر السلف"، بل يطالبنا بتجاوز "حدود الشعور والعاطفة"، والدخول في "حيز العلم والمعرفة"، إلا أنه يربط الوعي العربي بالماضي، أو بلغة أخرى، إن المركزية في هذا التفكير هي للماضي أولاً وأخيراً. ولربما هذا ما جعل الفكر القومي، يُغفل بُعد المستقبل، أو المصير المشترك، وبلغة أخرى، يركز على الوحدة، وينسى التضامن أو الواقع. إن الوحدة نقيض التضامن.

يدعونا زريق إلى معرفة الغرب، وهو محق حين يسجل بأن "سواد هذه الأمة الأعظم لم يفهم الغرب بعد فهماً صحيحاً، ولم يصل بإدراكه إلى لبّه ومتفجر حياته"، بل يمكننا أن نسجل، وبدون مبالغة، بأن علاقتنا بالغرب ظلت وإلى يومنا هذا تراوح في أغلب الأحيان بين الأيديولوجيا والاستهلاكوية، كما هي حال علاقتنا بالتراث أيضاً. وفي المنطق الأيديولوجي كما في المنطق الاستهلاكوي نخطئ لا ريب الطريق إلى المعرفة وإلى معرفة الغرب أو حقيقته، تلك الحقيقة التي يلخصها زريق عن حق في "النظام الاقتصادي، ومن ورائه العلم، ومن ورائهما الفلسفة".

يربط زريق دور الأمة بالإنسانية، بمساهمتها في التمدّن العام والثقافة الإنسانية. إن الأمة ليست كلاً منغلقاً، ليست أيديولوجيا، ليست شعوراً مرضياً بالانتماء.

يخصّص زريق فصلاً كاملاً من كتابه للدور المنوط بالمرأة العربية في الحياة القومية، وفي هذا السياق يتحدث عن دور الأسرة في تقديم تربية قومية صحيحة ومن بعدها المدرسة، حتى لا تعيش المرأة على "هامش الحياة القومية". لقد انتبه زريق منذ زمن لأهمية التربية، حتى وإن ربطها بالقومية، ولربما تكون التربية أهم من كل تلك المفاهيم التي شغلت العقل العربي الحديث، مثل التحرر الوطني، الأصالة، المعاصرة، التراث، الديمقراطية، العلمانية إلخ.. لأن التربية تمثل القنطرة التي يمكن أن تمر عبرها تلك القيم الحديثة إلى الفرد والمجتمع، وإغفالها يجعل من الحداثة مجرد تحديث، سطحية ومفارقة، ويعمق الاغتراب القائم اليوم بين الإنسان العربي وزمنه. إن التربية معرفة، لكن المعرفة هي زمنها، فلا وجود لمعرفة في الماضي، وإن كان هناك دائماً ماض في ـ و ـ للمعرفة.

ومن أهم فصول هذا الكتاب، الفصل الذي يطرح العلاقة بين القومية والدين، ولا بأس من التذكير بالموقف الرؤيوي لقسطنطين زريق من هذه العلاقة: "فالقومية الحقيقية لا يمكنها في مجمل الأحوال أن تناقض الدين الصحيح، إذ ليست، في جوهرها، سوى حركة روحية ترمي إلى بعث قوى الأمة الداخلية، وتحقيق قابلياتها العقلية والنفسية، لكي تقدم الأمة قسطها من تمدّن العالم وحضارته. فلا بد للقومية إذن - وهي حركة روحية ـ من أن تلاقي الدين وتستمد منه القوة والحياة (...)، وإذا عارضت القومية شيئاً فليس هو الروحية الدينية وإنما هو العصبية الهدامة التي تجعل الرابطة الطائفية أقوى من الرابطة القومية وتأبى أن تذيب نفسها في بوتقة الوطن الجامعة، بل كثيراً ما تستغل الشعور الديني البريء في سبيل أهوائها الخاصة".

ما تزال القضايا التي طرحها زريق في كتابه مطروحة في أيامنا هذه: أي علاقة نبنيها مع الماضي والتراث؟ كيف نفهم الغرب؟ ما دور المرأة في المجتمع؟ أي تربية نريد؟ أي علم؟ أي ثقافة؟ ويعلمنا الكتاب أن المعرفة يجب أن تكون أساس تفكيرنا في هذه القضايا، كما يعلمنا ضرورة تجاوز الشعارات والتغني بالأمجاد، إلى اجتراح تفكير ملتزم بقضايا العصر، وهو تفكير سيربطنا بالإنسانية، ولن يفصلنا عنها. وحتى وإن بدت بعض إجابات الكتاب مرتبطة أكثر بعصرها، وتلك روح التفكير الحقيقي كما يعلمنا هيغل، فإنه لا يمكننا تقديم إجابتنا على تلك التحديات التي ما تزال مطروحة، إلا عبر الاطلاع على محاولات زريق وجيله، ولن يتم ذلك إلا عبر فهمهم ومعرفتهم، خصوصاً وأننا نقف اليوم في المجتمعات العربية على تقهقر للمعرفة بالماضي والحاضر، وما يعنيه غياب هذه المعرفة من استمرار للتبعية وتأبيد للاستبداد، وإن تحت مسميات أخرى.

دلالات