صدر قديماً: "الواسطة في أحوال مالطة" لأحمد فارس الشدياق

26 مايو 2018
الصورة
مالطا، صورة رُسمت في 1877

في مَطالع القرن التاسع عشر، بدأت المسافات بين الولايات العثمانية والدول الأوربية العظمى تتقلّص بفضل التطوّر اللافت في صناعة السفن البخارية وسكك الحديد. ورافق هذا التطوّر انبعاث أولى الأصوات، وإن كانت خافتة، مناديةً بضرورة "التمدّن" والخروج من مرحلة "الانحطاط" التي امتدت لقرونٍ.

ومن أبرز وجوه هذه الحقبة الانتقالية، والذين غَمَطهم التاريخ حقهم، الأديب اللبناني أحمد فارس الشدياق (1801-1887). وعند استعادة مراحل سيرة هذا المثقف غير النمطي، تبدو عناصرها عجباً من العجب: فقد وُلد ونشأ في أسرةٍ مارونية، ثم اعتنق البروتستانية انتقاماً لأخيه الذي نُكِّل به أمامه. وبعدها، أرسل إلى جزيرة مالطة ليعمل مُراجعاً ومترجماً في "الجمعية البروتستانية". وأنهى حياته مسلماً سنياً بعدما أعلن إسلامه، في تونس، إثر مناقشاتٍ معمقة مع فقهاء جامع الزيتونة، الذين اشتهروا بنزعتهم العقلية. وتنقل قبل ذلك وبعده بين ولايات السلطنة العثمانية وأقطار أوروبا القديمة، فعاشر ثقافاتها ومارس طبائع أهلها، وكانوا وقتها لا يزالون يتقلبون بين نير الثورات ومطامع الاستبداد.

وكانت أولى رحلاته قد قادته إلى مالطة، وكانت وقتها مستعمرةً بريطانية. وفيها أقام صاحبُ "الجاسوس على القاموس" أربعة عشر عاماً. وكان من ثمار إقامته هناك كتاب "الواسطة في أحوال مالطة"، وهو تأليفٌ يمتح من أدب الرحلة ولكنْ تتخلله ملاحظات إثنوغرافية، فضلاً عن تحليلات لغوية، غالباً ما كان يستطرد إليها بحكم تمكنه من ناصية الضاد وانشغاله بتطويرها وتجديد معانيها ومبانيها.

وقد أثير جدلٌ كبير حول تاريخ تأليف هذه الرحلة: فهناك من أرجع إصدار الطبعة الأولى إلى سنة 1834. ولكن عصمت نَصّار، محقق أعماله والمتخصّص فيها، يُضعِّف هذا الرأي لأسبابٍ عديدة، منها أنَّ هذا التاريخ يوافق العام الأول الذي ارتحل فيه إلى مالطة، ويرى أنه من المستبعد أن يجمع كل هذه المعلومات الدقيقة في سنة واحدة، ومنها كثرة أشغاله ضمن الجمعية الدينية.

ومهما يكن من أمر، فمن الأكيد أن خير الدين التونسي (1822-1890)، وقد كان من خُلصاء الشدياق، هو الذي أمر بإعادة طبع الكتاب سنة 1866 على نفقته الخاصة، في مجلد واحد مع كتابه الثاني: "كشف المُخبَّا عن فنون أوروبا"، بعد أن ظهر منجّماً على أعمدة جريدة: "الرياض التونسي".

وقد قسّم الشدياق كتاب "الواسطة" إلى ستة أبوابٍ تحدّث فيها عن جزيرة مالطة من حيث موقعها الجغرافي ومناخها الطبيعي ومعالمها التاريخية، كما تطرّق إلى عادات المالطيين واستعمار الإنكليز لهم، وصوّر في الفصل الخامس تجاربهم الموسيقية، ضمن تحليلاتٍ شيّقة قرأ عبرها الفن المالطي على ضوء المقامات العربية.

وأما الفصل الأخير، فخصّصه لوصف التعدّد اللغوي في اللسان المالطي الذي تتحدر مفرداته من الإيطالية (اللاتينية) والإنكليزية بفعل الاستعمار، ومن العربية بسبب حضور العرب هناك. وفيه أجرى تحليلات صرفية وصوتية، تتسم بالعمق والدقة، لأهم العبارات المستخدمة لديهم.

ولا مبالغة في القول إن هذا الفصل، على قِصره وعلى تضمّنه الكثير من الأحكام المعيارية، يُعدّ من بواكير الوصف الموضوعي لظواهر الاقتراض وما يتبعها من تحويلات صوتية وصرفية ودلالية، فضلاً عن إشاراته الذكية إلى ظواهر تخصّ سوسيولوجيا اللغة في المجتمع المالطي وصراع القوى فيه من أجل فرض لغاتها، وارتباط سجلات الكلام واختيارات المعجم بالطبقات والانتماءات الاجتماعية.

ومما قاله بهذا الصدد: "إنَّ اﻟﻠﻐﺔ الماﻟﻄﻴﺔ ﻓﺮعٌ ﻣﻦ دوﺣﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ وﺷﻴﺼَﺔٌ ﻣﻦ ﺗﻤﺮﻫﺎ، وﻫﻲ ﻳُﺘَﻜﻠﻢ ﺑﻬﺎ في ﺟﺰﻳﺮﺗَﻲْ ﻣﺎﻟﻄﺔ وﻏﻮدش، ﻏير أنَّ ﻫﺆﻻء ﻳﺘﻌﻠﻤﻮن أﻳضاً اﻟﻄﻠﻴﺎﻧﻴﺔ واﻹﻧﻜﻠﻴﺰﻳﺔ وﺳﻮاء في ذﻟﻚ اﻟﻌﺎﻣﺔ واﻟﺨﺎﺻﺔ، ﻻﺣﺘﻴﺎﺟﻬم إلى اﻷولى في المعاملات واﻟﺘﺠﺎرات وﻛﺘﺐ الشرع وﻏيرﻫﺎ، وﻟﺘﻨﺎﻓﺴﻬﻢ في اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ﻟﻜﻮﻧﻬﺎ ﻟﻐﺔ أرﺑﺎب اﻟﺤﻜﻢ".

وأما أسلوبه في الكتابة فتميّز بسخرية لاذعة، ولا سيما حين تطرّق إلى عادات الأهالي، فتارةً يسخر من سلوكهم بالعودة إلى ما ألفه من قيم المشرق العربي، وتارة يبحث لديهم عن علامات تفوُّقٍ يستضيء بنورها. ومن طرائف هذا الكتاب أنَّ الشدياق تخاصم مع أحد المطارنة البروتستانت، فوشى به متهماً إياه بأنه يعيب على أهل مالطة بعض عاداتهم ويستخفّ بها. ولإثبات دعواه، سرق صفحاتٍ منه ونشرها.

هيكل "الواسطة" يشده إلى أدب الرحلة وأسلوبها الحكائي. ولكن جدة المظاهر المُصوّرة وزاوية النظر المعتمدة، كالتركيز على العادات والموسيقى واللباس واللغة والمعالم، في فصول وصفية مفصّلة، تجعل من هذا الكتاب أقرب إلى إرهاصات الإثنوغرافيا. ولا نبعدُ في عدِّهِ، بالإضافة إلى قرينه "كشف المخبا"، من أولى كتابات أدب "الاستغراب"، أو وصف الغرب من منظور عربي، يُجمع فيه بين تناقضات الانتقاد والانبهار، أو بين رغبة الاحتذاء ومرارة الاستياء.

دلالات

تعليق: