صدر قديماً: "الروم" لـ أسد رستم

07 يونيو 2019
الصورة
(أسد رستم)
+ الخط -

عاش المؤرّخ اللبناني أسد رستم (1897 - 1965)، الذي حلّت في الرابع من الشهر الجاري ذكرى ميلاده، في مرحلة شاعت فيها اجتهادات العديد من المفكّرين ودعاة الإصلاح حول إعادة كتابة التاريخ العربي والإسلامي، مع انهيار الدولة العثمانية ووضع القوى الأوروبية أيديها على المنطقة. كان ذلك ضمن توجّهات متباينة لتعريف الأمّة وعلاقتها بتراثها وسبل نهضتها.

على غير النهج الذي اتّسم بالعاطفية عند كثير من مثقّفي عصره، اهتمّ رستم بوضع معايير وأسس علمية تحكم عمل المؤرّخ في تعامله مع النصوص ونقدها وعدم الاكتفاء بنقل الروايات. ورغم استناده بشكل كبير إلى ما درسه في "جامعة شيكاغو" لنيل درجة الدكتوراه، إلا أنه عاد للبحث في مخطوطات المكتبة الظاهرية في دمشق وعلم الجرح والتعديل وغيرها، ليضع خلاصة تصوّراته في كتاب "مصطلح التاريخ".

ومن بين أعماله التي طبّق فيها هذه الرؤية كتابه "الروم: في سياستهم، وحضارتهم، ودينهم، وثقافتهم، وصلاتهم بالعرب"، الصادر عام 1955. سعى أسد إلى تطبيق نموذجه في الكتابة التاريخية حين اتكأ على جملة قواعد، من أهمها جمع الأصول التي يستند إليها المؤرّخ في عمله، حيث يستعرضها في التمهيد؛ سواء القديمة منها أو المعاصرة، وهنا نقف على ضخامتها وتنوّعها، إلى جانب عودته إلى مؤلّفات نُشرت قبل شروعه في البحث بفترة قصيرة.

يعود المؤرّخ اللبناني إلى الرسائل الدبلوماسية التي جرى تبادلها في تلك العصور بين الروم وغيرهم من الشعوب والدول وخاصة العرب، حيث يفرد علاقة كل إمبراطور ومراسلاته مع الخلفاء الأمويين والعباسيين وصولاً إلى العثمانيين، والقوانين التي شُرّعت في زمنهم، والنقوش التي توثّق لحضارتهم، والنقود التي سُكّت، كما يعود إلى سجلات الكنيسة التي تضيء أحداثاً ومحطّات بارزة خلال ما يقارب أحد عشر قرناً.

لا يندرج الكتاب ضمن الدراسات المتخصّصة التي تتوجّه إلى نخبة من الباحثين والمهتمّين بتاريخ الحضارة التي حكمت معظم المناطق المطلّة على البحر الأبيض المتوسّط في حقبة معينة، لكنه يشكّل عملاً موسوعياً في إطلالته على جميع نواحي الحياة العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، يتقدّم فيه مؤلّفه إلى القارئ العادي، من دون التخلّي عن قراءاته النقدية التحليلية، وإن بأسلوب يتقصّد التبسيط.

يبتدئ رستم الكتاب من الفترة التي يطلق عليها المؤرّخون "أزمة القرن الثالث"، والتي أدّت إلى تقهقر الإمبراطورية الرومانية نتيجة عوامل داخلية وخارجية، وانقسامها إلى ثلاث إمبراطوريات متصارعة هي: الإمبراطورية الغالية في شمال وغرب أوروبا، وإمبراطورية تدمر في بلاد الشام ومصر، وإمبراطورية روما في ما تبقّى من أراضي في أوروبا والشمال الأفريقي.

يعتقد المؤلّف أن عدم استقرار مركز الدولة في ظلّ تصارع القوى السياسية ممثّلة في مجلس الشيوخ والجيش حول انتخاب إمبراطور هو السبب الذي يُرى على السطح، لكن توجد أسباب أخرى، منها أن توسّع الرومان توقّف عند حدٍ لم تستطع بعده أن تؤمّن مزيداً من اليد العاملة (الرقيق والأسرى) للعمل في الزراعة، ما تسبّب في تأخّرها.

تَرافق ذلك مع ازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء بعد فشل ثورة سبارتاكوس بين عامي 71 و73 ميلادية، ما دفع إلى القيام بالعديد من الأعمال الانتقامية من قبل المستعبدين بحقّ "أسيادهم"، حتى أن الفيلسوف والسياسي ماكروبوس الذي عاش في القرن الخامس بعد الميلاد كتب "عبيدنا أعداؤنا".

عمل أرقّاء الأرياف في الزراعة التي شهدت بواراً كبيراً في تلك المرحلة، بينما كان أرقّاء المدن يعملون كخدم وأطبّاء وكتبة وفنّانين وفي الجيش واشتغلوا في العديد من المناصب الإدارية، ورغم أن هذه الفئات لم تنظّم صفوفها، ولم تضع برنامجاً سياسياً من أجل تحقيقه، إلا أن كراهيتهم لـ"أسيادهم" تنامت وثاروا في وجوههم في حركات متفرّقة لم يُكتب لها النجاح، لكنها أدّت إلى تأخُّر الصناعة والتجارة وانحطاط المؤسسة العسكرية.

ينتقل رستم في الفصل الثاني إلى رصد انتشار المسيحية بعد التضييق على أتباعها واضطهادهم لعقود عدّة، موضّحاً كيفية تأسيس الكنيسة لاحقاً والتراتبية التي أنشأتها، والتمايزات والفوارق بين كنيسة وأخرى، وتغيّر عادات كثيرة مع مرور الزمن، ومنها تقديس الأحد بعد أن كان المسيحيون يقدّسون يوم السبت حتى القرن الثاني الميلادي، ثم بروز الحاجة إلى تدوين الكتاب المقدّس والأدبيات الدينية بعدما اعتنق معظم الرومان الدين الجديد، لجهلهم باللغة الآرامية التي كُتبت بها الأناجيل.

يذهب الكتاب بعد ذلك إلى استعراض الصراع مع الدولة الساسانية، ثم اتباع الإمبراطور قسطنطين المسيحية واختلافات المجامع المسكونية حول طبيعة المسيح، وظهور الرهبانية، والتي ساهمت لاحقاً في صبغ هوية الإمبراطورية البيزنطية وتطوّر نظمها و"تمشرق" الفكر والفن والدولة مع سقوط روما، تحديداً عام 476 ميلادية، والذي كان له أساسه، حيث كان شرق الدولة الرومانية في الإسكندرية وأنطاكية والرها وقبدوقية ينتج ما يقارب تسعين في المئة من إنتاجها الفلسفي والمعرفي.

يمرّ رستم على أهم المنجزات الثقافية لبيزنطة في التاريخ والجغرافيا والحوليات وسير القدّيسين والشعر والفن، وصولاً إلى القرن السابع ميلادي الذي شهد تحوّلات كبيرة في علاقة الروم بجيرانهم، وفي مقدّمتهم العرب، متوقّفاً عند اختلاف المؤرخين البيزنطيين بين فريق يقرّ بوجود رسائل بين النبي محمد وهرقل وفريق ينكرها، حيث يناقش أساس هذا الاختلاف ويخلص إلى عدم كفاية أدلة الفريق الثاني.

ويستحضر الكتاب آراء العديد من المؤرخين الرومان القدامى والأوروبيّين المعاصرين ويقارنها بالمصادر العربية بأحداث مختلفة؛ مثل حروب الردّة والمعارك بين المسلمين والروم، مشدّداً على أن هزيمة البيزنطيين مردّها قلّة الانضباط وكثرة التمرُّد والفوضى بين العسكر وانقطاع الجرايات المالية.

يشير رستم إلى أن وصول الإسلام إلى بلاد الشام دفع إلى مواصلة الحملات العسكرية نحو القسطنطينية، حيث كان لا بدّ أن يتم الوصول إلى حسم يثبّت الاستقرار خاصة مع الاضطرابات الدائمة على الحدود، إضافة إلى رغبة المسلمين في تأمين تبادلاتهم التجارية بعد توقّف النشاط الاقتصادي بسبب المعارك الدائرة. ومع انحسار النفوذ الروماني في الشام وأرمينيا ومصر وأفريقيا، استطاعت قبائل الكروات والصرب السيطرة على مناطقهم التي كانت محكومة من الروم أيضاً.

دفعت تداعيات الهزائم المتلاحقة إلى اصطباغ الدولة البيزنطية بطابع هيليني بعدما مثّلت الشرق بكامل مكوّناته في عصور سابقة، كما يوضّح الكتاب، واستبدلت اللغة اللاتينية باليونانية في القرن السابع الميلادي، وتزايد نفوذ الكنيسة، وتراجعت الآداب والفنون، ومع الاستقرار النسبي وتراجع الحروب مع المسلمين، ازدهرت المناظرات الفكرية خلال القرنين الثامن والتاسع بين بعض رجال الدين المسيحي وعلماء المسلمين، لتزدهر بعض المعارف في القرن العاشر الذي شهد أيضاً استعادة الروم لأراض حدودية نتيجة ضعف الدولة العباسية.

لم يستطع الروم مواصلة تمدّدهم في القرن الحادي عشر وبدأت مظاهر الانحطاط والتراجع تحلّ في معظم مفاصل الحكم مع تعرّضهم للهجوم من قبل الصليبيّين في حملاتهم على الشرق، والذين تعاملوا مع البيزنطيين كعدو، وتمكّنوا من إسقاط إمبراطوريتهم حيث تأسست على أنقاضها العديد من الدويلات، والتي لم تنجح كلّ محاولات توحيدها وإعادة سيطرة الدولة، واستمر ذلك حتى انطلقت الحروب التي شنّها العثمانيون وأفضت إلى سقوط القسطنطينية عام 1453.

المساهمون