صحة الليبيين في خطر

15 فبراير 2020
الصورة
مخاوف من انهيار القطاع الصحي (محمود تركية/ فرانس برس)

لا تتوفّر بيانات رسمية ولا دراسات في ليبيا حول الأمراض المنتشرة فيها، في حين تُعَدّ البلاد "مهدّدة بأمراض خطيرة في ظلّ غياب للدولة والسلطات المعنية بالصحة لانشغالها بالحرب والصراع"، بحسب ما يقول الطبيب خالد حشاد لـ"العربي الجديد". وفي حين تحكي تقارير عدّة متداولة في خلال الأعوام الأخيرة عن انتشار سريع لأمراض مختلفة، منها السرطان، وسط انهيار شبه تام للقطاع الصحي، لا يرى حشاد أنّ السرطان هو الأكثر خطورة بين الأمراض المنتشرة والغائبة عن عين الرقيب الرسمي.

بحسب الملاحظات التي سجّلها حشاد، وهو طبيب باطنة (متخصص في الأمراض الداخلية) يعمل مع عدد من المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة في العاصمة الليبية طرابلس، فإنّ "ثمّة أمراضاً معيّنة تُسجَّل أخيراً في البلاد من قبيل اضطرابات ما بعد الصدمة والاضطراب ثنائي القطب على الصعيد النفسي، بالإضافة إلى بعض الأمراض الجلدية". ويؤكّد أنّ "أيّ متخصص اجتماعي أو نفسي أو مهتم بالشأن العام لن ينكر، بحسب ما أظنّ، التأثير السلبي الكبير للإحباط واليأس والقتل والتشرّد والنزوح وأصوات الرصاص والقصف على صحة المواطن الليبي"، لافتاً إلى أنّ "الأمر واضح ويمكن إثباته بسهولة".




وتبدو السلطات الرسمية المعنيّة بالصحة في ليبيا، سواء تلك التابعة لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس أو الحكومة المؤقتة شرقي البلاد، منشغلة بشكل كبير في ملاحقة أضرار الحرب، ولعلّ الإدارات الأكثر نشاطاً في هذا المجال هي إدارة الإسعاف والطوارئ المرتبطة بأقسام الطوارئ في المستشفيات أو المستشفيات الميدانية. وهذا ما تؤكده شهادات المواطنين الذين وجدوا أقسام المستشفيات بمعظمها خالية من الأطباء في أثناء تعرّض الكلية العسكرية في طرابلس للقصف، إذ إنّ كلّ المؤسسات الاستشفائية في العاصمة استنفرت طاقاتها لمواكبة الحدث الدامي.

وتلفت الباحثة الاجتماعية حسنية الشيخ النظر إلى "أسباب مختلفة قد تكون سبباً لظهور أمراض جديدة، منها انتشار أكوام القمامة في داخل الأحياء الضيّقة وعلى طول الطرقات العامة"، متحدثة لـ"العربي الجديد" عن "مرض الليشمانيا الذي انتشر أخيراً في معظم أنحاء البلاد بعد اختفاء استمرّ أربعين عاماً، على سبيل المثال". تضيف الشيخ أنّ "آثار مخلفات الحرب في الأحياء المشتعلة قد تكون مباشرة على صحة المدنيين، بحسب ما أثبتت الدراسات، لا سيّما في الأحياء المجاورة لمناطق الاشتباكات". ومن بين الحالات المرضية الناجمة عن مخلفات الحرب بحسب الشيخ "تشوهات لدى المواليد وبعض أنواع السرطانات التي لا تتشكل في المجتمعات البعيدة عن الحروب".

وفي الإطار نفسه، يقول حشاد إنّ "ثمّة أمراضاً جلدية يتعذّر تشخيصها وتصنيفها في ليبيا قد تكون أنواعاً في السرطانات"، لافتاً إلى "خطر آخر يتمثّل في عدم توفّر التعامل الطبي الصحيح مع المصابين من جرّاء القصف في المراكز الصحية في طرابلس وغيرها من المدن". ويتساءل حشاد عن "محتوى الأسلحة المستخدمة والقنابل التي تسقط على الأحياء"، مشيراً إلى أنّه "قد يتسبّب في أمراض جديدة". ويتابع أنّ "من يُصاب بتلك القنابل ذات التشظي السريع يُنقل إلى المراكز الصحية حيث يتلقّى العلاج بالقرب من مرضى آخرين، والأمر قد ينطوي على مخاطر". ويستشهد حشاد بصور نشرتها وسائل إعلام تُثبت استخدام قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر براميل متفجرة وأسلحة عنقودية.

ويشير حشاد في سياق متصل إلى "إعلان مستشفى القطرون في جنوب البلاد، في مايو/ أيار الماضي، تسجيل 158 إصابة بمرض الحصبة"، موضحاً أنّ "العدوى انتقلت عن طريق طفل مهاجر غير شرعي تمكّن والده من إدخاله إلى مدرسة في المدينة عبر وساطات خاصة". ويؤكد أنّ تلك الحصبة المسجّلة كانت مستجدّة وغير معهودة في البلاد، إذ إنّ زملاءه من الأطباء في تلك المنطقة قد بيّنوا أنّ مدّة حضانة المرض تجاوزت الأيام الثمانية المفترضة.



من جهة أخرى، أعلن المركز الوطني لمكافحة الأمراض السارية توثيق 100 إصابة بإسهال مائي في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، لكنّ حشاد يرى أنّ التشخيص لم يكتمل بعد، لا سيّما أنّه "لم يتمّ توثيق كلّ الحالات لتأكيد طبيعة المرض". ويشرح أنّ "الإسهال المائي يرتبط بما يتناوله المرء، سواءً الشراب أو الطعام، وهو يهدّد بشكل أكبر الأطفال والعجزة بسبب ضعف مناعتهم"، متسائلاً: "هل حُدّدت كلّ الأصناف الغذائية التي تضمّنت مواد ضارة وربما سامة؟ الجواب هو: كلا. أمّا السبب فضعف سلطات الرقابة، لذا من المرجّح أن تكون حالات عدّة مصابة بمتلازمة القولون العصبي". ولا يخفي حشاد مخاوفه من انهيار القطاع الصحي، نتيجة أسباب مختلفة، مشدّداً على أنّ هذا القطاع "يحتاج إلى خطة شاملة من غير الممكن توفّرها اليوم في ظلّ الانقسام الحكومي والحرب الدائرة في البلاد". ويلفت إلى أنّه لا بدّ من أن "تشمل بنود تلك الخطة حصر الأمراض بهدف إعداد قوائم الأدوية اللازمة لمواجهتها".