صحافة جديدة في عالم جديد

12 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
"قُل ما هو". هذا الشعار هو أول ما تقع عليه عين زائر مقر مجلة دير شبيغل الألمانية العريقة في هامبورغ، حيث تم نقش عبارة المؤسس رودولف أوغستين بخط ضخم على الجدار، حيث حق القارئ هو المعلومات والحقيقة. 
وكان كاتب هذه السطور قد حظي بحضور مؤتمر الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية، وهو موسم سنوي للاطلاع على ما وصل إليه هذا المجال ذو القفزات المتسارعة، فعلى الصعيد التقني تتسارع تطورات خدمات تتبع السفن والطائرات والشحنات، والحصول على صور الأقمار الصناعية، وكذلك أدوات فحص "التزييف العميق" للصور ومقاطع الفيديو، وأيضا "البحث العميق" بالمصادر المفتوحة، بالإضافة إلى أدوات التعامل مع قواعد البيانات الضخمة.
وعلى الصعيد التحريري، يتسارع تراكم خبرات بالغة التخصص. يمكن أن تجد دليلا ضخما لتتبع الفساد المالي للشركات، يتطلب من الصحافي تعلم خلفيات مهنية مباشرة من عمل المحاسبين والمحامين، وتلك مجموعة متخصصة بتحقيقات تتبع شبكات الأسلحة، وآخرين متخصصين فقط في التحقيقات المتعلقة بشبكات تجارة الدواء العالمية، ما يتطلب خبرات علمية معينة، وهذا مرجعٌ في أدوات قوانين "حق الوصول إلى المعلومات" وتفادي ثغراتها.. إلخ. وفي كل مجالٍ يتم إيجاد نماذج عمل يمكن تكرارها في مختلف الدول. وفي المقابل، تنشط شبكات فساد في إيجاد نماذج جديدة للتهرّب.
وفي إطار المؤتمر، تم تخصيص جولات في قسم "تدقيق الحقائق" في "دير شبيغل"، وهو الأشهر في مجاله في العالم، حيث نحو 70 شخصا لا دور لهم إلا التحقق من صحة كل معلومة مذكورة في إصدارات المجلة الورقية والإلكترونية التي تشمل نحو 1100 صحافي وموظف.
أخبرنا كيرت، الصحافي المرافق للجولة، أن لأرشيف المجلة دورا كبيرا، حتى أن المؤسس أوغستين قرّر أن يكون مقر مكتبه مواجهاً لمقر الأرشيف. اليوم هذا الأرشيف وحده يحوي أكثر من مائة مليون مادة نصية، يمتد مداها من الوثائق الحكومية إلى مقالات الصحف، فضلا عن عشرة ملايين صورة، كما تم تحويل أرشيف المجلة بالكامل الذي يعود إلى الأربعينيات إلى الصيغة الرقمية، وهو ما مكّنهم، على سبيل المثال، من استخراج تصريحات المستشارة أنجيلا ميركل في التسعينيات.
كيف يتم اختيار مدققي الحقائق؟ يشمل الفريق تخصصاتٍ عدة، فهناك مختصٌّ بالمعلومات العسكرية، وآخر بالمعلومات الطبية، وثالث بالمعلومات التقنية، ورابع بالطب النفسي. الجميع يحملون شهادات أكاديمية، وعدد ليس قليلا يحمل الدكتوراه في مجاله، والجميع يخضع لتدريبات خاصة. وعلى الرغم من ذلك كله يرفعون شعار "إذا كان هناك شك، احذفها فورا".
شاهدنا نموذجا عمليا، حيث يتم طبع نص التقرير على نصف صفحة طولية، بينما يمتلئ النصف الآخر بتصحيحاتٍ أو أسئلة المدقق باللونين الأسود والأحمر، وتتم مناقشتها لاحقا تفصيليا مع المحرّر.
قال بحث أصدرته جامعة هامبورغ في 2008 إن عددا واحداً من "دير شبيغل" بلغت فيه تصحيحات وتعديلات قسم التدقيق 1153 تصحيحاً.
طرحت سؤالا: على الرغم من كل هذه العملية المعقدة، كيف حدثت فضيحة كلاوس ريتليوس، الصحافي الذي استمر تزييفه سنوات، وحصل على جوائز عالمية، واستدعى اعتذارا رسميا بافتتاحية المجلة؟ قال إن ما حدث استدعى تحقيقا داخليا، كشف أن كلاوس قد استغل صداقته مع مدقّق الحقائق المشرف عليه، كما أن المحتوى الزائف كان يختص بقصص في مناطق صعبة الوصول مثل الهند وسورية، وكان كلاوس يقدم صور وقرائن أنه التقى هؤلاء الأشخاص، فضلا عن أن آلية العمل بالكامل مُصمّمة لكشف الأخطاء، وليس التزييف العمدي!
بالإضافة إلى إقالة كلاوس، استقال مدقق الحقائق المشرف على عمله، وكذلك مدير القسم، وقررت المجلة استحداث سياسة داخلية تشمل الاتصال المباشر بعيّنة من المصادر بشكل مستمر.
لا حاجة إلى عقد مقارنات عبثية مع أغلب جهات الصحافة العربية. وتظل الصحافة لا تحلق في الفراغ بمعزل عن تطورات الأوضاع السياسية والاجتماعية، فالصحافة العربية شهدت عصرها الذهبي بعد الربيع العربي، بينما تراجعت بتراجع الحريات، وتصاعد الشحن الطائفي. تحتاج الصحافة عيناً غير مُعمّاة ولساناً غير مُكمّم، قبل أن تطالب بأن تقول ما هو.