صباح الأربيلي: ظلال أخرى للحرف العربي

31 يناير 2016
الصورة
(من المعرض)
+ الخط -

يُفاجَأ زائر معرض الفنان العراقي صباح الأربيلي في "دار الفنون" الذي اختتم قبل أيام، في الكويت، بعنوانه قبل أي شيء آخر. المعتاد أن لا تحمل التكوينات التجريدية، سواء استخدمت خط اليد (الكاليغرافيا) أو الخطّ المطبوع، كعنصر فني في تشكيل لوحة أو منحوتة أو قطعة خزفية أو وسيط آخر، عنواناً ذا مضمون دلالي، وإن حدث واستخدمت عنواناً، جاء إيماءة مجرّدة.

هنا، ومنذ اللحظة الأولى، يضع الفنان بينك وبين لوحاته ومنحوتاته، وقوامها الحروف العربية المتشابكة تارة والمنظمة أو الملونة صفوفاً تارة أخرى، كلمة "قرارات" عنواناً لمعرضه، ويتركك مع نبذة قصيرة تحاول أن تقول شيئاً عن العلاقة بين عنوان صريح المدلول، وأعمال تنتمي إلى ما يُسمّى "فن الحرف" أو "فن الخط"، لا تقول ولا تصف.

صحيح أنه كتب بضعة سطور ناطقة لا تكاد العين تتبيّنها في فضاء مزدحم بالحروف على قماشة بيضاء، مجرّد الحروف، إلا أن هذه السطور لا تكفي لتقيم الصلة المطلوبة كما يبدو بين لفظة "قرارات"، ذات الصدى العابس، وبين ما يبدو نثاراً من كلمات لا تواصل بينها، وما يبدو شظايا معدنية من كلمات متلاصقة ترتفع في الفضاء على شكل تكوين نحتي لا يشبه شيئاً محدّداً.

تقول الملحوظة المرفقة إن ما سنراه أمامنا هو موضوعات مثل الحياة والتغيّر والسياسة ونتائج خيارات الإنسان، موصوفة بخطوط متراكبة وسطوح تخلق إحساساً بالعمق والحجم في تكوينات ذات بعدين وذات ثلاثة أبعاد، أي أن ها هنا تأويلاً تجريدياً بخط اليد أو الحرف، كما هو واضح لمقاصد الفنان، بل وإغراق في التجريد، يبتعد عن تجارب سابقة له تابع فيها تقاليد فن الخط العربي المحافظة على الجوانب الوصفية والحكائية للحرف والكلمة.

ومنذ وقت قريب، أُقيم له معرض في دبي حمل عنوان "99 اسماً"، جاءت تجريداته، وموضوعها أسماء الله الحسنى، استكشافاً لأسماء ذات مدلولات، فوقف بذلك على حافة التجريد على الأقل.

هنا، نجد مسوغاً للتجديد في ابتكار جماليات من هذا الحرف الدال على الهوية قبل كل شيء، لا أجد مسوغاً لاستقدام عناوين من حقل آخر والزجّ بها فقط ليقول الفنان إنه يقف أيضاً على حافة عصره وقضاياه، أو يطل عليه من هذه الشرفة أو تلك.

هناك تنويع لاحدود له في استخدام الكتابة العربية كعنصر تشكيلي في العصر الحديث، منذ أربعينيات القرن الماضي؛ أي في سياق بحث التيارات الأدبية والفنية عن هوية وطنية تواجه طغيان تيارات الفن والأدب الغربية.

وتكاثر فنانو الحرف والكلمة، بل والنصوص، العرب، وتكاثرت توجهاتهم. هناك، على سبيل المثال لا الحصر، من تعاطى مع انسيابية الحروف لابتكار أشكال تجريدية (محمد المويلحي من المغرب)، ومن أُخذ بإيقاعاتها الهندسية (بلخوجة التونسي وكمال بلاطه من فلسطين)، ومن سحرَه الجانب النصي؛ فظهرت نصوص ملوّنة على قماش لوحاته وأوراقه (ضياء العزاوي من العراق)، ومن مضى عميقاً وراء إشارات الصوفية فأدخل الحرف والأثر على جدار، أو جلد في نسق روحي (شاكر حسن آل سعيد من العراق).

كان العنصر المسيطر في كل هذا، أو الجامع بين مختلف التوجهات والمقاصد والـتأويلات، هو قدرة الفنان التشكيلي على استغلال الكتابة اليدوية أو الكلمة المطبوعة كدلالة قائمة بذاتها، ليس عبثاً ولا لهواً، بل ليكتسب فنّه طابعاً وهوية عربية.

وفي ضوء معروضات الأربيلي، ومشاهدة بعض "تماثيله" المقامة في فضاء عام في حديقة، أو على شاطئ بحر، يمكنني القول إن تشكيلها كاف بحد ذاته، ولا يحتاج مثل هذا الفن حتى إلى أن تصف عناصرالكلمات فيه شيئاً أو تنطق بحكمة؛ فالمنطوق والموصوف في عصرنا الراهن يقع خارج الفن التشكيلي. لم يعد من وظائف الفن التشكيلي أن يحكي قصصاً منذ زمن طويل.


اقرأ أيضاً:
 صباح الأربيلي: 99 طريقة للعبور

المساهمون