صادرات النفط السعودي ضحية حسابات النفوذ السياسي

07 سبتمبر 2020
الصورة
حاويات النفط تتكدس في شواطئ كاليفورنيا بحثاً عن مشترين
+ الخط -

تستفحل أزمة عملاق النفط السعودي، أرامكو، ليس فقط بسبب ضرب جائحة كورونا للطلب العالمي على الخامات النفطية، ولكن كذلك بسبب الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، والتحالفات التي يشهدها العالم لبناء "النظام العالمي" الجديد. إذ باتت الصين، أكبر مستورد للخامات النفطية، تبني مشترياتها النفطية على أساس المصالح التي تخدم النفوذ السياسي، وليس على الأساس التجاري البحت.

وحسب بيانات الجمارك الصينية، فإن الصين باتت تستورد الكثير من النفط الأميركي والبرازيلي والروسي على حساب النفط السعودي. في هذا الشأن تشير تلك البيانات إلى أن شركات المصافي الصينية رفعت من وارداتها من النفط الصخري الأميركي والبرازيلي، بينما احتفظت بحجم صادراتها من الخامات الروسية خلال الشهور الماضية على حساب خامات النفط السعودي.

وتتوقع نشرة "أويل برايس" الأميركية، أن ترتفع واردات الصين من النفط الصخري الأميركي بنحو 20 مليون برميل خلال الشهر الجاري، وربما ترتفع بمعدلات أكبر خلال ما تبقى من الربع الأخير من العام الجاري، حتى تتمكن بكين من تلبية شروط اتفاق "المرحلة 1" التجاري مع واشنطن. وحتى الآن أوفت الصين بنسبة 5% فقط من كميات النفط الأميركي التي وعدت بها في الاتفاق التجاري مع إدارة ترامب، وبالتالي فإنها ستضطر إلى زيادة واردات النفط الخام بأكبر كميات ممكنة خلال الشهور المقبلة. وترغب بكين بكسب ود واشنطن حتى تتمكن من تهدئة النزاع التجاري المتصاعد معها، وهو نزاع قد يهدد صادراتها وشركاتها في السوق الأميركي الاستراتيجي لنموها التجاري. وفي المقابل فإن الصين ترغب في الاحتفاظ بحصة وارداتها من النفط الروسي. 

ولدى الصين تحالف استراتيجي مع روسيا، وتعول على هذا التحالف في كسب "الحرب الباردة" التي تعد لخوضها خلال السنوات المقبلة مع أميركا ودول المعسكر الرأسمالي التي تخطط لعزلها تجارياً وتقنياً ومالياً عن الأسواق العالمية. 
كما أن بكين تأمل كذلك في الحفاظ على منظومة بريكس التي أنشأتها قبل 10 سنوات ضمن مشروعها الرامي لتفكيك "النظام العالمي" الحالي، وبناء نظام عالمي جديد تصبح لها مكانة الدولة العظمى البديلة للولايات المتحدة فيه. وبالتالي تعمل الصين على مساعدة البرازيل مالياً عبر زيادة صادراتها من النفط البرازيلي، إذ إن البرازيل دولة أساسية في منظومة بريكس. 
وسط هذه المعادلات الاستراتيجية للصين، بدأت شركات المصافي الصينية تضحي بوارداتها من النفط السعودي. وحسب البيانات الصينية، تراجعت صادرات الصين من الخامات السعودية إلى المرتبة الثالثة خلال شهر يوليو/ تموز الماضي، إذ تراجعت بنسبة 23.4% إلى 1.26 مليون برميل يومياً، بينما ارتفعت وارداتها من النفط الأميركي بنسبة 139% إلى 864.2 ألف برميل يومياً. 
في هذا الشأن تشير نشرة "أنيرجي ويرلد" الأميركية إلى أن الصين تنوي استيراد المزيد من شحنات النفط الأميركي في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

على صعيد النفط البرازيلي، ذكرت شركة النفط الوطنية البرازيلية "بتروبراس" في بياناتها الشهر الماضي، أن 70% من صادراتها النفطية إلى آسيا البالغة 1.62 مليون برميل يومياً تذهب للصين. ولدى البرازيل حقول نفطية بحرية تنتج خامات خفيفة تناسب المصافي الآسيوية، وشروط وقود السفن العالمية التي دخلت حيز التنفيذ منذ بداية العام الجاري. وهذا المعدل من الواردات النفطية يعني أن صادرات البرازيل إلى السوق الآسيوية تضاعفت ثلاث مرات خلال العام الجاري مقارنة بالعام الماضي 2019، ومعظمها يذهب للصين.

ويلاحظ محللون أن الصين التي دخلت في حرب حدودية مع الهند تستخدم مصالحها التجارية للحفاظ على منظومة بريكس من التفكك، وهي تواجه حرباً شرسة مع واشنطن. ويتوقع خبراء نفط أن يتواصل تراجع حصة النفط السعودي خلال العام الجاري وربما المقبل، خاصة إذ تمكن الرئيس دونالد ترامب من الفوز في انتخابات الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

على صعيد السوق الأميركي، تواصل شركة أرامكو السعودية خسارة حصتها في السوق الأميركي الذي بات عدائيا تجاه النفط السعودي، وتحمله معظم شركات الطاقة الأميركية مسؤولية انهيار أسعار النفط في مارس/ آذار الماضي، وما ترتب عليه من إفلاسات لشركات النفط الصخري.
وقالت وكالة بلومبيرغ، في تقرير حديث، إن شحنة نفط سعودية واحدة فقط أبحرت باتجاه الشواطئ الأميركية في يونيو/ حزيران الماضي، وإن توقعات المراقبين تشير إلى استمرار انخفاض صادرات الخام السعودي إلى الولايات المتحدة بمستويات قياسية. وتشير الوكالة الأميركية إلى أن السعودية صدرت نحو 133 ألف برميل يومياً من النفط في يونيو/ حزيران الماضي.

وذكرت نشرة "أويل برايس" إن السعودية صدرت نحو 177 ألف برميل يومياً في أغسطس/ آب مقارنة بـ 1.3 مليون برميل في إبريل/ نيسان. وتشير توقعات إلى أن صادرات النفط السعودي لأميركا ستواصل التراجع خلال العام الجاري، وربما تستخدم صادرات النفط إلى الولايات المتحدة كسلاح ضغط في عمليات التطبيع الجارية مع إسرائيل.

يذكر أن الصين باتت تتاجر بالنفط العربي الرخيص الذي اشترته خلال فترة الانهيار وتجني مليارات الدولارات منه. وذكرت نشرة "أنيرجي ويرلد" أن مصافي كوريا الجنوبية اشترت الشهر الماضي نحو مليوني برميل من النفط العماني الخفيف من مستودعات النفط التابعة لبورصة الطاقة الصينية في شنغهاي.

المساهمون