شيطنة العمالة الوافدة في الخليج

07 يونيو 2020
الصورة
مهاجرون ينتظرون فحص كورونا بالكويت (Getty)


من حق دول الخليج أن تستغني عن جزء من العمالة الوافدة التي يقترب عددها من 15 مليون عامل، يرتفع العدد إلى 26 مليوناً، بعد إضافة أفراد الأسر، بل من حقها أن تستغني عن كل هذه العمالة الوافدة إذا هددت مصالحها الاقتصادية والمالية وشكلت مخاطر أمنية أو جيوسياسية أو جيواقتصادية على دول المنطقة.

ومن حق دول الخليج أن تضع من القواعد والقوانين والقيود على حركة العمالة الوافدة ما يضمن استقرار تركيبتها السكانية ويحافظ على وضعها الديموغرافي، ويحافظ كذلك على ثرواتها واحتياطياتها من النقد الأجنبي التي باتت تُستنزَف بشكل سريع خلال الفترة الماضية بسبب تهاوي أسعار النفط، المورد الأساسي للموازنات الخليجية، والخسائر الفادحة الناتجة من تفشي فيروس كورونا.

ومن حق حكومات منطقة الخليج أن تحدد قواعد صارمة تتعلق بدخول العمالة الوافدة إلى دولها والإقامة فيها، وأن تفرض قيوداً شديدة على الهجرة إليها، انطلاقاً من مبدأ حماية أمنها القومي وممارسة السيادة المطلقة على أراضيها، وأن تعيد هيكلة العمالة الأجنبية والاستغناء عن تلك التي لا تمثل لها قيمة مضافة، أو تشكل عبئاً على مالية الدولة وبنيتها التحتية وقطاعها الصحي والتعليمي والمعيشي والتأميني.

ومن حق دول الخليج أن تفعل أي شيء يحافظ على أمنها القومي، حتى لو وصل إلى حد سنّ الحكومة الكويتية مشروع قانون ينص صراحة على طرد 2.8 مليون عامل وافد من البلاد يشكلون نحو 85% من إجمالي تلك العمالة. ومن حق السعودية وقطر والإمارات وغيرها من دول مجلس التعاون أن تفعل ذلك.
لكن ليس من حق دول الخليج شيطنة العمالة الوافدة وإلصاق كل نقيصة بها، والحديث عن العمالة في وسائل الإعلام بشكل غير لائق، وتصويرها بشكل مفاجئ على أنها وباء وفيروس يشبه وباء كورونا، وربما أخطر.

أكبر دليل على حالة الشيطنة تلك، الحملة الشرسة على الوافدين التي قادتها بعض وسائل الإعلام وبعض الأفراد على مواقع التواصل الاجتماعي في الخليج خلال الأسابيع الماضية، وتحديداً عقب الأزمات المالية التي باتت تواجه دول المنطقة بسبب تهاوي أسعار النفط وتفشي كورونا، وما أحدثه الفيروس من خسائر اقتصادية فادحة لكل القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها أنشطة النفط والغاز والسياحة والسفر والطيران.

ونظرة على بعض الصحف الخليجية وتصريحات البرلمانيين والمتخصصين والخبراء تظهر للعيان مظاهر الشيطنة تلك، وبنظرة على تغريدات وبوستات بعض المواطنين والكتاب الخليجيين على مواقع التواصل الاجتماعي، نجد أن هناك حملة عنصرية شبه ممنهجة لشيطنة العمالة الوافدة.

فهذه العمالة، حسب الحملة الشرسة ضدها، تشكل خطورة على الأمن القومي لدول الخليج، وتهدد النسيج الاجتماعي والتركيبة السكانية داخل دول المنطقة، وهي من ترفع نسبة المكون الأجنبي في التركيبة السكانية الخليجية.

وهي من تعرض هوية المنطقة للخطر، سواء من حيث التهديد المباشر للغة العربية، أو من حيث القيم الدينية والأخلاقية والطابع الثقافي المميز للمجتمعات الخليجية، حيث إن هذه العمالة تشكل كانتونات وتجمعات داخل دول المنطقة يمكن أن تشكل تهديداً للمنطقة في المستقبل، خاصة في الدول التي يشكل فيها الأجانب النسبة الأكبر من عدد السكان كما يقول أصحاب الحملة.
والعمالة الوافدة هي التي تسبب الزحام وأزمات المرور داخل الشوارع الخليجية، وهي التي تلوث الشوارع، وهي التي تتكدس في المولات والمحال التجارية الكبرى بحثاً عن عرض أو سلعة رخيصة، وبالتالي إن الأسرة الخليجية باتت تواجه صعوبة في الوصول إلى البنوك ومراكز التسوق، بل وإلى مقارّ عملها.

واقتصادياً، وحسب الحملة الممنهجة، فإن هذه العمالة هي التي تضغط على العملات الخليجية عبر تحويل 120 مليار دولار سنوياً من ثروات الخليج من النقد الأجنبي إلى الخارج، وهذه العمالة مسؤولة عن العجز الضخم في الموازنات الخليجية.

بل دفعت هذه العمالة، وكما يقول منتقدوها معظم دول الخليج، إلى التوسع في الاقتراض الخارجي أو السحب من الاحتياطي الخارجي، وبالتالي باتت العمالة، من وجهة نظر متبني حملات الشيطنة والتشكيك، عبئاً مالياً على دول الخليج بعد أزمتي كورونا وتهاوي أسعار النفط.

وحسب حملة الشيطنة تلك، تمثل العمالة الوافدة عبئاً على الاقتصاديات الخليجية ومنظومة الدعم والرواتب والأجور في دول المنطقة، فهي تلتهم الجزء الأكبر من دعم الوقود والكهرباء والمياه، بل وتحصد الجزء الأكبر من دعم رغيف الخبز، بحكم عددها الكبير مقارنة بعدد السكان الأصليين.

والعمالة الوافدة، وحسب الحملة الأخيرة، هي التي نشرت فيروس كورونا حينما جلبته معها من دول جنوب شرق آسيا، مثل الصين والفيليبين وتايلاند وبنغلادش وغيرها، وهي التي تجلب المخدرات من الخارج، وتنشر تجارة الرقيق الأبيض داخل المجتمع الخليجي المحافظ، وهي التي تمارس عمليات غسل الأموال في الإمارات، وخاصة في دبي، وتخالف القوانين القائمة، وخاصة قانوني العمل والإقامات.

وحسب كاتبة خليجية، فإن "هناك انتشاراً لجرائم لم تكن معروفة من قبل في المجتمع الخليجي، كجرائم التزييف، والتزوير، والرشوة، والنشل، والاختلاس، وتهريب المخدرات، والدعارة".
والأخطر أن العمالة الوافدة باتت السبب الرئيسي وراء زيادة معدل البطالة بين الشباب ومتخرجي الجامعات في منطقة الخليج، حيث تلتهم فرص العمل المتاحة، حسب حملات التحريض. وأنه بدلاً من أن توظف حكومات تلك الدول الملايين من العمال الأجانب، فإن لديها طابوراً يتمدد من العاطلين من العمل من مواطنيها، الأولى بالتوظيف.

ووصلت الحملة العنصرية إلى ذروتها حينما راحت تشكك في ولاء هذه العمالة الوافدة، وأنها يمكن أن تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الخليجي عبر التعاون مع أعداء دول المنطقة. وهناك إعلامي سعودي وصف العمالة الوافدة في برنامج حواري شهير على قناة (إس.بي.سي) السعودية المملوكة للدولة بأنهم "ما يخجلون من أنفسهم ولا يعرفون معنى الوفاء للوطن".

وتتجاوز حملات التشهير والشيطنة حينما تروح لتشكك وتقلل من خبرات العمالة الوافدة الفنية، ومعايرتها بأنها قادمة من دول فقيرة، وأن حكوماتها رفضت استقبالها في أزمة كورونا الأخيرة، وأنها وراء تدهور أخلاقيات العمل لدى المواطنين الخليجيين.

بل وتحصر حملات الشيطنة تلك هذه العمالة في قطاعات وأنشطة ينظر إليها المواطن الخليجي بازدراء، مثل العمل اليدوي والعمالة المنزلية وعمال البناء والتشييد ومحلات الوجبات السريعة والجاهزة.

واللافت أن حكومات بعض دول الخليج استغلت خطاب الكراهية والعنصرية والتمييز الموجه ضد العمالة الوافدة كمبرر قوي لتسريح وترحيل مئات الآلاف من العمال العرب والأجانب، وخفض رواتبهم، والإساءة إليهم.

ببساطة، تذكر الإعلام الخليجي فجأة سلبيات وكوارث وجرائم وشرور وخيانة العمالة الوافدة، ولذا راح يطالب بطردها على الفور من دول المنطقة، متجاهلاً أن العمالة الوافدة هي التي أدت الدور الأكبر في نهضة الخليج الاقتصادية والعمرانية، وأنها تمثل النسبة الأكبر من إجمالي عدد العمال في منطقة الخليج، وأن قطاعات اقتصادية عدة تعتمد على أيدي العمالة الوافدة الماهرة مثل الصناعة والبناء والتشييد والبنية التحتية.

بل إن قطاعات مثل النقل والسفر والطيران والتجارة والخدمات والاستهلاك وأسواق التجزئة قد تهتزّ في حال مغادرة العمالة الوافدة دول الخليج.
وفي ظل هذه الحملة العنصرية الممنهجة ضد العمالة الوافدة، باتت تلك العمالة هي التي تدفع الثمن الأكبر لخسائر الاقتصاد الخليجي الناتجة من تفشي فيروس كورونا وتهاوي أسعار النفط. لذا، وجدنا حملات ضخمة لتسريح العمالة، أو على الأقل خفض رواتبها.

ببساطة، دول الخليج لن تستطيع الاستغناء تماماً عن العمالة الوافدة، ولسنوات طويلة، والأسباب عديدة. فهذه العمالة تشكل نحو 90% من إجمالي عدد القوى العاملة في المنطقة، وهذه العمالة هي التي أدت الدور الأكبر في بناء اقتصادات دول الخليج والنهوض بها، ومن الصعب الاستغناء عنها في الأجل القريب وربما المتوسط.

وقد رأينا محاولات ومبادرات خليجية لتوطين العمالة المحلية وإحلالها بدلاً من العمالة الوافدة، لكن هذه المبادرات لم يكتب لها النجاح لأسباب عدة، منها قلة عدد الأيدي الخليجية المدربة، وعزوف الخليجيين عن العمل في الكثير من الأنشطة والنظر إليها نظرة دونية، مثل العمالة المنزلية والعمل اليدوي والسكرتاريا والعمل في قطاعات البناء والتشييد والمحال التجارية ومحال توصيل الوجبات السريعة.

والأهم، أن الغالبية العظمى من الشباب الخليجي تفضّل العمل الحكومي أو العمل في قطاعات مستقرة، مثل الجيش والشرطة والغاز والنفط والبنوك والمؤسسات المالية لأسباب عدة تتعلق بالرواتب العالية والنظرة المجتمعية.

دلالات