شيرين العيساوي رمز الصمود

09 يوليو 2015
الصورة
المحامية شيرين العيساوي (مواقع التواصل)
+ الخط -
استطاعت المرأة الفلسطينيّة، من خلال حضورها الفاعل في الواقع الفلسطيني المعاصر، نزع الصورة النمطيّة للمرأة المستجدية المُناشِدة، والانتقال بها إلى إبراز أدوارها؛ عبوراً من التنشئة الوطنيّة نحو صقل التوجه السياسيّ وتعزيز التعاضد الاجتماعيّ إلى جانب التحصين التعليميّ ـ الفكريّ.

لم يقتصر دور المرأة الفلسطينيّة على توظيف الأسرة والأبناء في خطّ المقاومة والدّفاع، إنما برزت في أدوار نضالية شتى بدءاً بالتصدّي والمواجهة، وانتهاءً بالمقاومة. وها نحن نراها حاضرة بثقة في الإعلام والصّحافة، في المدارس والجامعات، في أروقة السياسة والبرلمان، وفي الأنشطة الحقوقية والإنسانية، مُشيرةً في جوهر رسائلها، أنّ المقاومة أنثى.

تُعدّ السّجون الإسرائيلية التي تمتدُ بضيقها وعذابها على طول الوطن الفلسطيني، قضيّةً محوريّة، قديمة جديدة ذات منحى نضالي شاق، فالسّجن للفلسطينيّ واقعٌ حتميّ أراده الاحتلال رادعاً لإجهاضه، وسرعان ما استوحشَ الرادع حتى صار وسيلةً لدحر النضال، مُستهدِفاً الرّجال والنساء والأطفال.


مُفردة في قاموس السّجون

وفقاً للمعطيات الواردة في التقرير النصف سنوي الذي أصدره نادي الأسير الفلسطيني مطلع الشهر الحالي، تقبع في سجون الاحتلال 25 أسيرة. أشار التقرير إلى الظروف المعيشيّة القاهرة التي تواجهها الأسيرات في ظلِّ حرمانهن من متطلبات معيشيّة أساسية، إلى جانب انعدام التدفئة والتبريد، حظر إيصال الملابس والأغطية لهن، نقص الغذاء والدّواء، وعدم إتاحة المجال لحالات مرضية مختلفة لتلقي العلاج الطبيّ والاكتفاء بإعطاء المسكنات، ما يؤدي إلى تدهور في أوضاعهن الصحيّة. إلى جانب المنع الأمني من لقاء أقاربهن من الدرجة الأولى في الأسر، وحرمانهن من ملامسة أو عناق أطفالهن.

تتعرض الأسيرات لسياسة التفتيش العاري، إلى جانب اقتحام الجنود للغرف بشكل مفاجئ بهدف التفتيش. كما وتقوم إدارة السجن بوضع السجينات بالأقسام الجنائيّة للسجينات الإسرائيليات، فيتعرضن للعنف بأنواعه والضغوطات النفسيّة. إضافة إلى إخضاع بعض الأسيرات للعزل الانفرادي.

يلقي التقرير الضوء على آلية التحقيق مع الأسيرات التي لا تخلو من العنف والتنكيل والوحشيّة إلى جانب التعامل المُذِل عند نقلهن إلى المحاكم، وذلك عبر "البوسطة"، وهي عربة حديدية تستخدم لنقل الأسرى والأسيرات، وفيها يجلسون على مقاعد من حديد وهم مكبلو الأيدي والأرجل طوال فترة الرحلة التي قد تدوم أكثر من 24 ساعة، تقدّم خلالها وجبة طعام واحدة للأسيرة، ويتم تجريدهن من أي احتياجات خاصة.

"الإنسان في نهاية الأمر قضية"

وُلدت المحامية الأسيرة شيرين طارق العيساوي في القدس المُحتلة، حيثُ الصّراع الأشدُّ ضراوةً على الأرضِ والملامح والهويّة. نشأت في ظلّ الانتهاكات المتزايدة للإنسان والمكان، للأيديولوجية والعقيدة، فنمت بوصلةُ الوطن في قلب العيساوي دافعةً إيّاها لتكون صوتاً حراً في وجه غوغائية الاحتلال والتضييق والقهر. شقّت المحامية شيرين طارق عيساوي مسيرة كفاحها عام 2004، حيث عملت على رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان بحق الأسرى الفلسطينيين القابعين في السجون الإسرائيلية من الضّفة والقطاع، على رأسهم الأطفال والنساء. ووقفت في وجه القوانين اللاإنسانية التي سُنّت من أجل توسيع حلقة الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى في السجون. برزت العيساوي في حملتها الضاغطة على الاحتلال لتحرير شقيقها الأسير سامر العيساوي، صاحب أطول إضراب عن الطعام في فلسطين.

فازت شيرين العيساوي بجائزة "الكرامة لحقوق الإنسان" لعام 2014 التي منحتها إياها منظمة الكرامة السويسرية لمساندة ضحايا التعذيب والاعتقال التعسفي والمهددين بالإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري في العالم. تقرر منح العيساوي الجائزة تقديراً لنشاطها الإنساني والحقوقي ضد الاحتلال والقمع الإسرائيليّ. تمّ تسليم والديها الجائزة بالنيابة عنها لكونها أسيرة في سجون الاحتلال.

الاعتقال والتحقيق

كانت للعيساوي سلسلة من الاعتقالات، انتهت بتحريرها في أكتوبر/ تشرين الأول 2011، ضمن صفقة وفاء الأحرار (صفقة الجندي شاليط). إلا أنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي اقتحمت منزل عائلة العيساوي وأعادت اعتقالها وشقيقها المحامي مدحت العيساوي ضمن موجة من الاعتقالات لمحامين من القدس في السادس من مارس/ آذار 2014، وقد تم الإفراج عن زملائها المحامين بكفالة إلى حين محاكمتهم، إلا أن جهاز "الشاباك" طالب باستمرار اعتقال العيساوي بتهمة الاشتباه بقيامها خلال 3 سنوات ماضية بنقل رسائل لعناصر تابعة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزة وأسراهم داخل السجون.

أُرسلت العيساوي إلى مركز تحقيق المسكوبية بالقدس المحتلة، مكثت فيه مدة 33 يوماً داخل زنزانة انفرادية، وتعرضت هناك لجولات تحقيق طويلة تبدأ من العاشرة صباحاً حتى الثانية بعد منتصف الليل، تقرر بعدها تمديد اعتقالها لمدة 6 أشهر بحجة استكمال التحقيق معها، حتى قُدّمت في حقها لائحة اتهام: بتقديم خدمات لمنظمات محظورة تشكل خطراً على أمن الدولة. 
تعرّضت العيساوي في الأشهر الأخيرة، للضرب المبرح على يد إحدى السجانات، ونقلت بعد ذلك إلى سجن "هشارون" حيث تعرّضت للعزل الانفرادي، إلى جانب فرض عقوبات عليها وحرمانها من أبسط الحقوق الإنسانية. في السادس عشر من يونيو/ حزيران 2015، أعلنت العيساوي الإضراب المفتوح عن الطعام رداً على الانتهاكات الوحشية التي تتعرّض لها واستمرار اعتقالها دون إدانة.

السّجن ثمناً للعيساوي لقدرتها على الشّعور بالحرية

اعتقال العيساوي وتعرضها لكافة أنواع التعذيب النفسي والجسدي، خطوة ذات أبعاد خطيرة، فقد شكلت العيساوي هدفاً سياسياً للاحتلال الذي يريدها بعيدة عن نشاطها في الدّفاع عن الأسرى وما يتعرضون له من انتهاكات يومية. كان صوت العيساوي مخيفاً لهم لأنها استطاعت أن تشعر بالحريّة رغم التضييقات وبذلك ارتفع صوتها عالياً دون خوف. تغلّبت العيساوي على السّجن الداخلي الذي أراده الاحتلال للفلسطينيين كافة، على حالة الخوف، على خوف العقل والفكر. واستطاعت بشجاعتها فضح اللاإنسانية ونقل الحقائق والدفاع عن الحق الفلسطيني، وتحقيق إيمانها بالحريّة لنفسها والآخرين.

السّجن يتيم النوافذ، والجدران الإسمنتية لن تستطيع إعادة السجن الداخلي الذي أرادوه للعيساوي، وفي نضالها الحالي وإضرابها عن الطعام تثبت ثانيةً للعالم كله وللاحتلال خاصة أنّها ما زالت قادرة على الشّعور بالحرية وقهر السّجان.

(فلسطين)

المساهمون