شيخ النجارين في لبنان أبو علي روماني

03 نوفمبر 2017
الصورة
يتابع عمله رغم العمر (خليل العلي)
لم تعد الحرف اليدوية منتشرة كما في السابق، فمع تقدم التكنولوجيا واستخدام المعدات الصناعية تندر تلك الحرف ومنها النجارة. أبو علي روماني من بلدة حبّوش، جنوب لبنان، في الثمانين من عمره وما زال يحافظ على حرفة النجارة التقليدية إذ لم يُدخل إليها أيّ معدات صناعية بل يستخدم يديه وخبرته في النجارة ليتألق في صنع مقاعد وطاولات وتحف.

تعلم أبو علي الحرفة في خمسينيات القرن الماضي في سوق النجارين في العاصمة اللبنانية بيروت على يد معلّم نجارة أرمني. كان أبو علي في الرابعة عشرة من عمره حين التقط الحرفة وتعلمها سريعاً حتى أطلق عليه لقب "المعلّم الصغير".

يقول أبو علي لـ"العربي الجديد": "كنت أحفر الخشب وأجمعه بلا مسامير، وأصنع أثاث المنزل كله، ويقصدني الناس من كلّ لبنان لأصنع لهم خزانة أو غرفة جلوس أو أبواباً أو غيرها، حتى إنّي لا أضع غراء لاصقاً، وهذا سر المهنة الخاص بي، وعلى الرغم من كلّ العمل اليدوي الصعب فإنّ فيه متعة خاصة".

يُعتبر أبو علي الذي يملك محلاً صغيراً للنجارة على الطريق العام في بلدته حبوش من أقدم نجاري المنطقة. يمضي ساعات طويلة يصمم وينحت ويحفر الخشب بيديه اللتين تظهر عليهما علامات التقدم في السن. يقول: "العمل مفيد للصحة، فهو يعطيك قوة تفكير إيجابية تترجم فناً حرفياً، وآمل أن يكون عملي بوابة دخولي إلى عالم النجارة الصديقة للبيئة". يستعيد بالذاكرة: "أول منحوتة خشبية صنعتها كانت من خشب الأرز عام 1955، فقد كنت في رحلة مع رفاقي إلى منطقة الأرز (شمال لبنان) ولفتتني قطعة خشب سماكتها 60 سنتيمتراً حولتها إلى لوحة تراثية، وهذا يدل على أنّ الإنسان يخلق إبداعاً من لا شيء، والشرط في ذلك أن نوظف فكرنا في خدمة عملنا، وهذا كان جواز سفري إلى الكويت حيث عملت ودرّست أصول فن النجارة، قبل أن أعود إلى لبنان لافتتح المنشرة الخاصة بي وانطلق في عملي".



يضيف: "كنت فناناً، أخلق أفكاراً من لا شيء، فالخشب يصبح تحفة بين يديّ، ليس المهم أن أحترف بل المهم أن أحول الحرفة إلى هدف للإبداع وهذا سر التميزّ".

يتذكر أبو علي أنّ أول إنجاز له في عالم النجارة كان طاولة وكرسياً خاصين به بالذات، وبالرغم من كلّ ما مضى من سنين إلا أنّ يديه لم تتعبا من حفر الخشب وتطويعه، وبدأ العمل أخيراً في تنفيذ مشروع النحت الصديق للبيئة. ولدت الفكرة لديه فجأة عندما شاهد جذع شجرة كبيراً اشتراه وبدأ العمل به ليحوله إلى مقاعد خشبية منحوتة باليد لتكون نمطاً جديداً من الفن غير المألوف.

بالرغم من التطور الحاصل، ودخول الآلة إلى حرفة النجارين، إلا أنّ أبو علي يعمل بعدته القديمة من دون ملل، متحدياً التعب الذي من الممكن أن يوفره إذا اعتمد على الآلة. هو ببساطة يفضل العمل اليدوي لأنّ الحرفية فيه أكبر مع إعطاء النتيجة المرجوة.

بين تجاعيد وجهه ترتسم صورة حلمه الجديد وهو "تحويل جذوع الشجر إلى تحف فنية" ويأمل في أن يترك بصمته داخل أروقة حرفة النجارة التي غيّرت الآلة مفهومها وكذلك في عالم نحت الخشب.

دلالات