فؤاد المهندس وشويكار في فندق كارلتون في بيروت عام 1968 (أرشيف فارس يواكيم)
15 اغسطس 2020

نجحت الممثلة الشهيرة شويكار التي توفيت يوم الجمعة في تحقيق معادلة تجمع بين الجمال والكوميديا في الأداء المسرحي. ونجاحها في الكوميديا يرجع إلى أدائها المميز؛ فليس في المرأة الجميلة ما يثير الضحك، ولم تكن النجمات اللواتي تألقن قبلها في الأدوار الكوميدية مسرحياً من الجميلات.

أذكر على سبيل المثال ماري منيب وزينات صدقي ووداد حمدي. بل إن ماري منيب كانت تستثمر بدانتها في استيلاد الضحك بجانب من أدائها. في السينما برزت تحية كاريوكا ممثلة جميلة وكوميدية في فيلم "لعبة الست" مع نجيب الريحاني، ولاحقاً في أفلام أخرى، من دون أن تكون هذه سمتها المميزة. كذلك جمعت شادية بين جمال الصوت والوجه إلى جانب خفة الظل، من دون أن تكون الكوميديا سبب نجاحها وشهرتها. 

في المسرح، كانت شويكار العنصر النسائي في الثنائي الذي جمعها مع النجم الكبير فؤاد المهندس، ونال إعجاب الجمهور في مصر والعالم العربي. وبفضل مسرحياتها المتكررة معه أصبحت نجمة. كانت قد لعبت بعض الأدوار في السينما، لكنها أصبحت بطلة، وبطلة كوميدية، منذ أن شاركت فؤاد المهندس بطولة مسرحية "السكرتير الفني" التي قدمها "مسرح التلفزيون" عام 1962. وكانت المسرحية من إخراج عبد المنعم مدبولي، القدير الآخر في الأداء والإخراج المسرحي الكوميدي الذي أفادت شويكار كثيراً من توجيهاته الفنية. وكانت "السكرتير الفني" إعادة مجددة لمسرحية نجيب الريحاني وبديع خيري "الجنيه المصري" المقتبسة من "توباز" للكاتب الفرنسي مارسيل بانيول. يومها جاء الجمهور إلى المسرح لمشاهدة النجم المحبوب فؤاد المهندس، فاكتشف سيدة جميلة تؤدي الكوميديا اسمها شويكار.

توالت المسرحيات لاحقاً، فأطلت في "أنا وهو وهي"، و"حواء الساعة 12" ، و"حالة حب"، و"أنا فين وانت فين"، وسواها من الكوميديات التي اقتبسها سمير خفاجي وأخرجها عبد المنعم مدبولي. وهذه المسرحيات التي أنتجها "مسرح التلفزيون" المصري كانت تصوّر وتعرض على الشاشة الصغيرة بعد انتهاء عرضها على خشبة المسرح، فشاهدها الملايين في مصر، ثم في العالم العربي.

نجاحها في المسرح، وانتشار النجاح عبر التلفزيون، جعلا شويكار تغدو نجمة سينما أيضاً. كانت قد بدأت التمثيل في السينما قبل المسرح، لكن في أدوار ثانوية وأغلبها ليس من اللون الكوميدي، باستثناء "الزوجة 13" وكانت فيه ضيفة شرف، و"صاحب الجلالة"، وقد أدت فيه دوراً ثانوياً. والفيلمان من إخراج فطين عبد الوهاب، أفضل مخرجي الكوميديا في السينما المصرية. وبعد رسوخ الثنائي الناجح فؤاد المهندس وشويكار في المسرح، قام الثنائي ببطولة أفلام كوميدية عدة.

والواقع أن مساهمة شويكار في السينما لم تقتصر على اللون الكوميدي، إذ أدّت أدواراً في أفلام أخرجها أبرز المخرجين. ففيلمها الأول "حبي الوحيد" من إخراج كمال الشيخ، ومن إخراج بركات مثلت في فيلم "الباب المفتوح"، وتعاونت مع يوسف شاهين في "اليوم السادس"، ومع صلاح أبو سيف في "السقا مات"، ومع علي بدرخان في "الكرنك"، وحسين كمال في "الندّاهة"، ومع نادر جلال في "أرزاق يا دنيا"، ومع سمير سيف في "دائرة الانتقام"، ومع فطين عبد الوهاب في "أرض النفاق" و"اعترافات زوج"، ومع خالد يوسف في فيلمها قبل الأخير "كلمني شكراً". ومعظم هذه الأفلام عن روايات لكتّاب كبار مثل نجيب محفوظ وأندريه شديد ويوسف السباعي ولطيفة الزيات ويوسف إدريس.

ولم يكن فؤاد المهندس شريكها في الثنائي المسرحي والسينمائي فحسب، بل في الثنائي العائلي أيضاً. هو زوجها الثاني (تزوجت ثلاث مرات). وهو قصة الحب الكبير في حياتها. وهو الزواج الذي دام ستة عشر عاماً. بدأت قصة الحب في أثناء عرض مسرحية "أنا وهو وهي". ومن الطرائف أن فؤاد المهندس في حوار هذه المسرحية قال لها: "تتجوزيني يا بسكوتة؟"، وولد مشروع الزواج الذي حصل في العام التالي (1964).

ووقع الطلاق في أثناء عرض "سكّ على بناتك" عام 1980. بداية في أثناء عرض مسرحية، ونهاية كذلك في أثناء عرض مسرحية. بيد أن مساهمة شويكار في "سكّ على بناتك" كانت بمثابة ضيفة شرف وبصوتها فقط. كانت هذه المسرحية من بطولة شريهان أمام فؤاد المهندس. الأكيد أن الزواج بُني على عاطفة الحب. أنا عرفتهما في الستينيات في القاهرة، والتقيت بهما غير مرة في بيروت. وكنت ألمس الرابطة العاطفية الوثيقة التي تجمعهما. أما الطلاق، فالغيرة هي سببه الكلاسيكي. الغيرة العاطفية، إذ لم تكن هناك غيرة فنيّة إطلاقاً.

والغيرة شعور أصاب فؤاد المهندس ــ كما أصاب رجالاً كثيرين قبله وبعده ــ بسبب جمال الزوجة الذي هو عامل إغراء، وإنْ لم تتعمده الزوجة، أو أنه لم يؤدّ إلى علاقة عاطفية مع شخص آخر. وجمال شويكار مردّه إلى اختلاط الأعراق في دمها. فأبوها إبراهيم طوب صقّال مصري من أصل تركي، وأمها تنتمي إلى أسرة شركسية. وبعد الطلاق ظلّت علاقة المودة والصداقة تجمع بين شويكار وفؤاد المهندس حتى وفاته عام 2006، بل هما اشتركا معاً في مسرحيات آخرها "روحي اتخطفت" عام 1989.

وفي "مهرجان قرطاج المسرحي" الذي أقيم في تونس عام 1992، كانت هناك ندوة عن المسرح الكوميدي. وكانت شويكار مدعوة كضيفة شرف باعتبارها نجمة كوميدية. لم تشارك في ندوة المتخصصين، بل في الندوة العامة التي حضرها مسرحيون وصحافيون وبعض الجمهور. وكنت موجوداً، وشعرت بالاستياء بسبب بعض الأسئلة التي وجهها صحافيون وحاولوا فيها أن يستعرضوا "عضلاتهم الفكرية" تجاه النجمة المسرحية. أرهقوها بالأسئلة، لا عن أدوارها، ولا عن أداء الكوميديا، بل عن ظاهرة تحجب الممثلات، وعن سياسة الحكومة المصرية. وشعرت هي بالارتباك، وقالت إنها لا تتدخل في قرار الممثلات الزميلات، وهي شخصياً لم ترَ داعياً لارتداء الحجاب، ولا ترى في ممارسة الفن عورة يجب سترها.

أما عن الأسئلة السياسية، فقالت إنها مواطنة وفنانة، ولا دور لها في القرار السياسي. وتدخل رئيس المهرجان المخرج التونسي المنصف السويسي، والكاتب المصري علي سالم الذي كان عضواً في لجنة التحكيم ضمن المهرجان، لردع مثل هذه الأسئلة. وقال علي سالم: "توقعتُ أن تسألوها أسئلة بشأن مهنتها"، وعلقت شويكار: "أيوه، هو كدا". وصفق الجمهور لها، لأنه متعاطف معها أساساً.   

في سنواتها الأخيرة تقاعدت شويكار قسرياً بسبب المرض. وكان "سرّ علني" آخر فيلم سينمائي شاركت فيه، وهو من إخراج غادة سليم عام 2012. كذلك كان "أحزان مريم" آخر مسلسل تلفزيوني قامت فيه بدور بارز إلى جانب ميرفت أمين وسوسن بدر عام 2006. ويوم الجمعة 14 أغسطس/ آب رحلت عن دنيانا عن عمر ناهز الثانية والثمانين.