شوفينية كرواتية ورعب مكسيكي وبؤس روسي

05 يوليو 2020

ـ اتضح أنّ عنوان "يعود الماضي يعود" الذي اعتبره الكثيرون مبتذلاً حين علّقوا على ذلك المسلسل الميلودرامي المأخوذ عن قصة لأنيس منصور، يصلح لأن يكون ملخصاً لكثير من الظواهر السياسية والاجتماعية التي عادت لتظهر في عالمنا في السنوات الأخيرة، بعد أن ظننا أنها لا يمكن أن تكون جزءاً منه، وأنّ الواقع قد تجاوزها إلى الأبد، وأحدث هذه الظواهر ـ ولا أقول آخرها ـ ما تشهده كرواتيا الآن من عودة جنونية للشوفينية الوطنية، تلك الكارثة التي أدخلت يوغوسلافيا ومنطقة البلقان في حروب دامية في سنوات التسعينات.  

تحت عنوان "صيحات الفاشية مرحبٌ بها الآن" نشرت صحيفة Blic الصربية افتتاحية مهمة، نقلت مجلة "ذا وويك" الأميركية مقتطفات منها تحدثت بالتحديد عن الأوستاشا  The Ustashaأو الفاشيين الكروات الذين تحالفوا مع النازيين في الحرب العالمية الثانية، وشاركوا في إقامة واحد من أبرز معسكرات الاعتقال والقتل The Jasenovac والذي راح ضحيته آلاف اليهود والصرب والغجر الذين تم تعذيبهم حتى الموت بطرق بشعة، وبعد عقود من إدانة تلك الأفعال وانتقادها بحدة، عاد أحد أشهر شعارات الفاشيين الكروات من جديد إلى المجتمع الكرواتي، وهو شعار Z DOM SPERMNI والذي يمكن ترجمته إلى "مستعدون يا وطني"، والذي كان الفاشيون الكروات يهتفون به فوق جثث ضحاياهم في زنازين معسكر الاعتقال.

كان أول ظهور واسع النطاق لذلك الشعار قد حدث خلال تصفيات كأس العالم عام 2014، حين قام المدافع الكرواتي جوي سيمونيتش بقيادة آلاف من المشجعين لترديد ذلك الهتاف، بعد أن تغلّب المنتخب الكرواتي على المنتخب الأيسلندي بهدفين لصفر، ويومها سارعت السلطات المسؤولة إلى إيقاف اللاعب طوال فترة المشاركة في كأس العالم، لكن ذلك لم يوقف ظاهرة استخدام الهتافات الفاشية في المنافسات الكروية، بشكل صبّ الزيت على نار الشوفينية الكرواتية وأعاد فتح الجراح القديمة التي ظن الكثيرون أنها اندملت وتعافت إلى الأبد.

بعد ثلاثة أعوام من تلك الواقعة قام سينمائي كرواتي بإخراج فيلم وثائقي يقلل من خطورة وبشاعة الجرائم التي ارتكبت في معسكر الاعتقال الكرواتي، ثم تطور الأمر بشكل أخطر، الشهر الماضي، حين قضت محكمة كرواتية بأنّ من حق نجم الروك المطرب الكرواتي ماركو بيركوفيتش والمعروف بمواقفه الشوفينية والمتطرفة أن يقوم باستخدام الشعار الفاشي في أغانيه، وأن يهتف به في حفلاته، وهو ما رأت المجلة أنه سيساهم في نشر موجة من الكراهية، وسيعطي دفعة قوية لأفكار وممارسات الأوستاشا بشكل ينبغي أن يقلق منه جميع الكرواتيين الحريصين على بلادهم، وهو بالطبع ما لن يهتم به أنصار الأوستاشا والمتعاطفون معهم والمبررون لهم لأسباب كثيرة من بينها أنه كلام ينشر في مجلة تصدر في بلد يعاني هو الآخر من انتشار النازيين الجدد، وصعود الشوفينية الوطنية.  

....

ـ الواقعة التي سأحكي لكم عنها الآن ليست ملخصاً لفيلم أكشن مكسيكي، أو لموسم جديد من مسلسل "ناركوز" الشهير، بل هي تفاصيل حقيقية حدثت الأيام الماضية في المكسيك، نقلته الصحف الأميركية عن صحيفة  EL Universal التي بدأ مراسلها راؤول رودريغوز كورتيز تغطيته للواقعة قائلاً: "الخبر الجيد أنّ أجهزتنا الأمنية عرفت أن هناك هجوماً سيقع، الخبر السيئ أنه برغم ذلك التحذير المسبق، فقد أصيب المستهدف من الهجوم بثلاث طلقات وتم قتل اثنين من حراسه".

 

وبعد سلسلة من التحريات والتحقيقات توصل فريق التحقيق إلى أن المستهدف بالاغتيال سيكون واحداً من أربعة يحتلون مناصب حكومية وأمنية رفيعة، وتم تشديد الحراسة على المسؤولين الأربعة فوراً، لكن القتلة المحترفين قاموا بتنفيذ خطتهم بالفعل في الأسبوع الماضي

في التفاصيل ورد أنّ الاستخبارات المكسيكية اعترضت، قبل أسبوعين، مكالمة تليفونية بين اثنين من القتلة المحترفين التابعين لتكتل جاليسكو الإجرامي الذي يقوده جيل جديد من لوردات المخدرات، وأن المكالمة كان بها تفاصيل حول الإعداد لعملية اغتيال لشخصية رفيعة المستوى، بعدها، تم تأكيد دقة المكالمة من خلال تقرير أصدرته وكالة مكافحة المخدرات الفيدرالية التابعة للحكومة الأميركية، والتي تتعاون بقوة مع الحكومة المكسيكية، وبعد سلسلة من التحريات والتحقيقات توصل فريق التحقيق إلى أن المستهدف بالاغتيال سيكون واحداً من أربعة يحتلون مناصب حكومية وأمنية رفيعة، وتم تشديد الحراسة على المسؤولين الأربعة فوراً، لكن القتلة المحترفين قاموا بتنفيذ خطتهم بالفعل، في الأسبوع الماضي، حين نصبوا كميناً في أحد المناطق الراقية في العاصمة المكسيكية، وأطلقوا النار على موكب قائد شرطة العاصمة أومار غارسيا هارفوتش.

لم يكن مفاجئاً أن يختار قادة "الكارتل" قائد شرطة العاصمة لكي يكون هدفاً للاغتيال، لأنه ينتمي إلى أسرة لديها تاريخ طويل في العمل الشرطي والعداء الشرس لتجار المخدرات، سواءً من خلال مشوار والده ضابط الشرطة البارز، أو جده الذي كان وزيراً للدفاع في فترة ماضية، لكن السبب الأهم في استهدافه كان الضربات القوية التي وجهها لتجار المخدرات منذ تولى منصبه في الخريف الماضي، وبرغم أنّ الحراسة الأمنية التي تم تشديدها عليه، في الأسبوعين الماضيين، لم تنجح في منع استهداف موكبه، لكنها نجحت في منع المهاجمين من الإجهاز عليه، ليدخل إلى المستشفى ويخضع لجراحة أنقذت حياته، ويتوقع أن يتعافى من آثار الحادث قريباً، لكن العملية أثارت حالة من الفزع الشعبي، وأعادت تذكير ملايين المكسيكيين بأن نشاط تجارة المخدرات لن يظل فقط مقتصراً على الحدود أو المناطق البعيدة، بل يمكن أن يعود ثانية لضرب العاصمة المكسيكية بقوة، ويستهدف قائد شرطتها شخصياً، لتؤكد أن حلم القضاء على "كارتلات" تجارة المخدرات لا يزال أبعد مما يتمنى الجميع.

....

في الوقت الذي نجح فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بفضل التعديلات الدستورية الجديدة في إحكام قبضته على البلاد حتى عام 2036، ومع تواصل مغامراته العسكرية والاستخباراتية خارج روسيا، تحدثت الكاتبة أناستاسيا ميرونوفا، في مقال لها بصحيفة "نوفايا غازيتا" الصادرة في موسكو عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها جائحة فيروس كورونا الجديد على البلاد، والتي أصابت مئات آلاف العائلات الروسية، وجعلت تأمين معيشتها اليومية عملاً شديد الصعوبة.

أشارت الكاتبة إلى أن قيام بوتين بتكليف المسئولين الإقليميين بمساعدة المتضررين من الجائحة، أثبت فشله الذريع، وأن تعامل الدولة مع الأزمة جعل عشرات الآلاف من الروسيين يجربون العوز لأول مرة في حياتهم، ويلجأون إلى البحث عن حلول عاجلة لإطعام أولادهم من خلال "غروبات" تم إنشاؤها لهذا الغرض على منصة VKontakte التي تعتبر منصة التواصل الاجتماعي الأبرز في المجتمع الروسي، حيث يكتب الآلاف كل يوم عليها في قسم يحمل عنوان "أطعمونا" رسائل من عينة "أهلاً يا جماعة، أنا أحتاج فعلاً إلى أن آكل".

لاحظت الكاتبة من خلال تصفحها لحسابات المشتركين في ذلك القسم، أنّ معظمهم حسنو المظهر ويظهرون في صور حساباتهم بشكل جيد وأنيق، ويحملون شهادات جامعية ويتحدثون في بوستات سابقة عن هواياتهم وحيواناتهم الأليفة، لكنهم الآن وبعد ما جرى في البلاد أصبحوا مضطرين لتسول الطعام من الغرباء على الإنترنت، لأنهم لا يجدون بديلاً عن ذلك، وهو ما لاحظته أيضاً حين طالعت حسابات المشتركين في "غروبات" البحث عن الوظائف.

توقفت الكاتبة على سبيل المثال عند تدوينة كتبتها مشاركة تنصح الآخرين الباحثين عن الطعام بأن يجربوا حل التبرع بالدم مقابل الحصول على مال، لكنها وجدت من يسفه اقتراحها لأن "هذه الفكرة تقود إلى دائرة جهنمية، حيث يتطلب التبرع بالدم أن تأكل جيداً لكي لا يشعر الذين يأخذون منك الدم أن لديك مشكلة صحية تجعلهم يمنعونك من التبرع بالدم مقابل المال"، لكن ذلك لم يمنع الكثيرين من المحاولة، خصوصاً الآباء والأمهات الذين قالت الكاتبة إنّ قلبها تمزق وهي تقرأ استغاثاتهم المطالبة باللبن والطعام والأدوية وأي شيء يمكن أن يساعد أطفالهم، وهو ما تصفه الكاتبة بأنه جديد على البؤس الروسي، حيث أصبح من الطبيعي في نهاية العقد الثاني من سيطرة بوتين على السلطة وجود مواطنين أصحاب مؤهلات وكفاءات، لكنهم لم يعودوا يحلمون فقط بالحصول على فرصة عمل، بل يحلمون بسدّ جوعهم يوماً بيوم، لكنها لم تقل للأسف إنّ كثيرين من بين هؤلاء ربما سبق لهم أن أيّدوا فلاديمير بوتين، ورأوا فيه بطلاً منقذاً قادراً على جعل روسيا عظيمة من جديد، وربما لا يزال بعضهم يظنه كذلك.