شهران على اعتصام الخرطوم: مخاوف من سيناريو رابعة

03 يونيو 2019
الصورة
تحول مقر الاعتصام لساحة لنشر الوعي السياسي(محمد الشاهد/فرانس برس)
+ الخط -
مع اقتراب الاعتصام الشعبي في محيط قيادة الجيش السوداني وسط الخرطوم من دخوله شهره الثالث، تتصاعد المخاوف من وجود رغبة لدى المجلس العسكري الانتقالي في فضه، وتكرار السيناريو الذي جرى في ميدان رابعة في مصر عام 2013 وانتهى بمجزرة راح ضحيتها مئات المدنيين. وما يعزز المخاوف أن المقارنة بين الاتهامات التي مهد بها الجيش المصري لفض الاعتصام في 2013 وبين تلك التي يسوقها المجلس العسكري السوداني للمعتصمين، في الأيام الأخيرة تظهر مدى التشابه في الأسلوب. يضاف إلى ذلك المؤشرات على رغبة المجلس باستنساخ تجربة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فيما كانت المشاهد التي بُثت للقاء الذي جمع رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان بالسيسي في القاهرة أخيراً، وتأدية الأول التحية العسكرية، كافية بالنسبة لكثر للدلالة على مدى تأثر الأول بالرئيس المصري. 
كما أن الأيام الأخيرة، وبحسب ما أكد تجمع المهنيين السودانيين، شهدت تعمد القوات الأمنية والعسكرية استخدام القوة المفرطة وإطلاق الرصاص في مواجهة المدنيين العُزل، فضلاً عن رصد إدخال عناصر معادية للثورة إلى ميدان الاعتصام، ونشر عناصر تخريبية في محيطه، وهو ما دفع التجمع للاستنتاج بأن القادة العسكريين "ينفذون ما يفكرون به، وللأسف لا تفكير سوى في إشعال نيران العنف".
ويضاف إلى ذلك الجمود في المفاوضات بين المجلس العسكري والمعارضة بعدما انقلب الأول على التفاهمات الأولية التي كان تم التوصل إليها. لكن على الرغم من كل ذلك يؤكد المعتصمون نيتهم المضي في تحركاتهم الاحتجاجية السلمية للضغط على العسكر لتسليم السلطة إلى المدنيين، لا سيما بعد التضحيات التي قُدّمت على مدى الأشهر الماضية.
وقدم السودانيون في مسيرتهم للوصول إلى منطقة الاعتصام حول محيط قيادة الجيش في الخرطوم، وفي مدن أخرى قُرب مناطق عسكرية أخرى، نحو 43 ضحية، خلال الاحتجاجات التي سبقت الاعتصام، عدا عن مئات المصابين وآلاف المعتقلين. ولم تكن أيام ما بعد 6 إبريل أفضل، إذ سقط 61 قتيلاً وعشرات الجرحى، خلال محاولات فض الاعتصام أو جراء الاحتكاك مع القوات الأمنية التي ترابط في محيطه. كما قُتل أول من أمس شاب وأصيب 10، جراء محاولة القوات الأمنية السيطرة على منطقة بشارع النيل، تُعرف باسم "كولمبيا"، بزعم وجود انفلات أمني فيها، وذلك بعد أيام من مقتل شاب وامرأة في المنطقة ذاتها، والتي تقع قرب موقع الاعتصام.

وعلى الرغم من تلك الأثمان، فإن الاعتصام الذي فاقت مدته مدة اعتصام ميدان رابعة في مصر بأكثر من 10 أيام حتى الآن، نجح في 11 إبريل الماضي بالإطاحة بالرئيس عمر البشير، عقب 30 سنة في الحكم، بعد أن أعلن الجيش السوداني في ذلك اليوم انحيازه للثورة الشعبية في البلاد. لكن وجود الفريق أول عوض بن عوف، نائب البشير، وزير الدفاع السابق، على رأس مجلس عسكري استلم السلطة، أثار موجة واسعة من الغضب لدى السودانيين الذي أرغموا بن عوف على الاستقالة بعد أقل من 48 ساعة من تقلده منصبه، بحجة أنه جزء من نظام البشير. وبعد ذلك، تحول مقر الاعتصام إلى ساحة لنشر الوعي السياسي في المقام الأول، ومن ثم الثقافي والاجتماعي والصحي، إذ تم نصب عشرات الخيم، المناطقية والحزبية والدينية والثقافية والعلمية، وخيم أخرى تعبر عن مظالم تاريخية لمجموعات وأفراد تضرروا من حكم البشير. كما أنشئت داخل ساحة الاعتصام مسارح ومعارض للكتب والفن التشكيلي، لتتحول المنطقة إلى متنفس للسودانيين، الذين تمسكوا بسلمية الاحتجاجات على الرغم من حوادث القتل شبه اليومية.

كما تحول موقع الاعتصام وسط الخرطوم إلى قبلة لمواكب يومية تُسير من أحياء العاصمة ومن مدن بعيدة، كان أشهرها وصول قطار مدينة عطبرة شمال السودان، مهد الثورة، حاملاً المئات من المحتجين والذين انضموا إلى رفاقهم أمام مقر قيادة الجيش.

واستخدمت قوى "إعلان الحرية والتغيير"، التي قادت الاحتجاجات منذ 16 ديسمبر/كانون الأول الماضي، الاعتصام كورقة ضغط لإجبار المجلس العسكري على تقديم تنازلات لصالح تشكيل سلطة انتقالية مدنية، تتألف من مجلس سيادي ومجلس وزراء وبرلمان، حصلت قوى المعارضة عبرها على حق تشكيل مجلس الوزراء، وتسمية 67 في المائة من أعضاء البرلمان، فيما ظل الخلاف قائماً مع المجلس العسكري حول نسب التمثيل بين العسكريين والمدنيين في المجلس السيادي.


ومع اقتراب الاعتصام من دخول شهره الثالث، بدأ المجلس العسكري يستشعر خطر تواصله، فدشن حملة سياسية وإعلامية واسعة، وصلت إلى حد اعتباره، أخيراً، بأنه يهدد الأمن القومي، خصوصاً مع تصاعد الأحداث في منطقة شارع النيل القريبة من مقر الاعتصام، ما يؤشر، حسب كثيرين، إلى وجود نية مبيتة لدى المجلس العسكري لفض الاعتصام، بالتزامن مع انغلاق أفق الحل السياسي مع قوى "إعلان الحرية والتغيير".

وشهد أول من أمس السبت أحدث محاولات للاقتراب من محيط الاعتصام، إذ تم تجهيز قوات أمنية مشتركة من الجيش وقوات الرد السريع، لتفريغ منطقة شارع النيل ممن اعتبرتهم "متفلتين". لكن قوى "إعلان الحرية والتغيير" ردت على هذا الأمر بتصعيد حدة لهجتها. وقالت، في بيان، إن "القوات الأمنية والعسكرية اتجهت مجدداً إلى استخدام القوة المفرطة، وأطلقت الرصاص على مدنيين عُزل في شارع النيل، دون أن تُعير اهتماماً لحياة الأبرياء، على الرغم من التواصل المستمر للجنة الأمنية مع لجنة العمل الميداني". وأشار البيان إلى أن "الترتيبات الأمنية المتفق عليها لم تنفذ"، محذراً من أن "قادة العسكر يفكرون فقط في إشعال نار العنف". وأكدت "الحرية والتغيير" أن "السلمية كانت الدرع الحامي خلال الثورة، وسلاحنا الأمضى الذي لم ولن يكسره سلاح"، مشددة على "الالتزام بها لإسقاط كل البنادق وبناء دولة مدنية ديمقراطية".

وأوضحت أن ما حدث يوم الخميس الماضي، عندما أدى إطلاق نار في محيط موقع الاعتصام، إلى سقوط قتيل و10 جرحى، يقود للاعتقاد أن المجلس العسكري يخطط بصورة منهجية، ويعمل من أجل فض الاعتصام السلمي أمام القيادة العامة (للجيش) بالقوة والعنف المفرطين، وأنه يناور من أجل شراء الوقت ويمارس الإلهاء حول المفاوضات للتغطية على النية المبيتة بخصوص فض الاعتصام". وكشف البيان عن "إدخال عناصر معادية للثورة إلى ميدان الاعتصام، ونشر عناصر تخريبية في محيطه، بهدف إثارة الفوضى في شارع النيل وادعاء انتفاء سلمية الثورة"، مؤكداً أن "القتل والترويع في شارع النيل مجرد تمهيد لارتكاب مجزرة بغرض فض الاعتصام بالقوة". وتابع البيان "كما أن استخدام الرصاص الحي في مواجهة المعتصمين والمواطنين العُزل، وفي أماكن تجمعات بشرية مسالمة يعدُ شروعاً في القتل، ولن نقبل باستخدام الرصاص والقتل في مواجهة مدنيين عُزل مهما كان جرمهم"، مشدداً على أن "إيقاف بث بعض القنوات ومنعها من التواجد في ميدان الاعتصام يمثل تهديداً للميدان، ويرفع غطاء الحماية عنه ويساهم في إخفاء التجاوزات ومُداراتها بعيداً عن أعين الإعلام"، في إشارة واضحة إلى قرار سحب ترخيص مكتب قناة "الجزيرة" في الخرطوم.

من جهته، حمل "تجمع المهنيين السودانيين"، في بيان، ليل السبت الأحد المجلس العسكري مسؤولية ضمان سلامة المعتصمين"، مؤكداً أن "محاولات تنويع الخلفيات الإثنية للمجرمين لن تجدي نفعاً، فالمسؤولية عن الجرائم وعن دماء الضحايا فردية". واعتبر أن "هناك عيوناً ترقب وترصد، وأن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن المحاسبة قائمة والعدالة ماضية ولو بعد حين". ودعا "المجلس العسكري للتراجع عن مخطط صناعة الفوضى والانفلات في البلاد"، محذراً "من مغبة القيام بأي فعل غير مدروس وغير قانوني". كما دعا "الجماهير، في هذه اللحظات المصيرية والعصيبة، للحشد في الميادين وذلك حماية للثورة للوصول إلى أهدافها".

ونفى الصحافي عثمان شبونة، المتواجد مع المعتصمين في محيط قيادة الجيش وسط الخرطوم، "المبررات التي يقدمها المجلس العسكري عن وجود مجرمين ومتفلتين للإقدام على إطلاق الرصاص على المدنيين"، مشيراً إلى أنه "حتى ولو وجد مجرمون في محيط الاعتصام، فمن باب أولى التعامل معهم بواسطة عناصر الشرطة". وأضاف شبونة، لـ"العربي الجديد"، أن "كل المؤشرات تُفسر أن ما حدث هو مقدمة لحالة عدوانية حيال الاعتصام، وذلك بهدف فضه"، مؤكداً أن "المجلس العسكري يسعى منذ اليوم الأول لشراء الوقت والمماطلة في تسليم السلطة لحكومة مدنية طمعاً في السلطة وطمعاً في إفلات كثيرين من قادة النظام السابق من العقاب وطمس الأدلة". وأوضح أن "المجلس العسكري لا يحاول استنساخ تجربة البشير، لأنه هو نفسه امتداد لتلك التجربة وربما أسوأ، كما أن بروز قوات الدعم السريع في الواجهة ينذر بوجود مخطط لنشر الفوضى". وطالب "الثوار البقاء في منطقة الاعتصام المحددة منذ 6 إبريل، وعدم مغادرتها، والتمسك بها كأداة ضغط لصالح القصاص للشهداء ومحاكمة المفسدين، فضلاً عن الاحتفاظ بما حققه الاعتصام من تلاقٍ وطني بين المكونات السياسية والاجتماعية والمناطقية ما عزز الوحدة والصمود، وذلك بهدف تفويت الفرصة على المجلس العسكري لنشر الفوضى التي يريدها سبباً لتحقيق أجندته".

من جانبه، قال الشاب أحمد الطاهر، الذي جاء من ولاية النيل الأبيض جنوب البلاد للمشاركة في الاعتصام، "إنهم متمسكون حتى النهاية بالاعتصام مقابل التواطؤ الواضح من المجلس العسكري، من خلال تصريحاته وحديثه غير الصحيح عن تحول ميدانهم إلى وكر للجريمة"، متعهداً، في حديث مع "العربي الجديد"، بالموت دفاعاً عن محيط الاعتصام. أما محمد عبد الله الحلو "فيستبعد وجود نية مبيته من المجلس العسكري لفض الاعتصام، خصوصاً إذا تمسك الثوار بحدوده". وأوضح أن "أكثر ما يأخذه على المجلس العسكري وكذلك على الحرية والتغيير، هو عدم تقديم معلومات للمواطنين، ما يزيد من البلبلة في كل السودان". وقلل الحلو، لـ"العربي الجديد"، من الخلافات الحالية بين قوى "إعلان الحرية والتغيير" والمجلس العسكري، "إلا إذا كان هناك فعلاً أطماع من المجلس للاستمرار في السيطرة على الدولة"، داعياً إلى تبني مبادرات للتوسط بين الجانبين على غرار ما فعل أساتذة جامعة الخرطوم". كما دعا كل الأطراف لتشجيع المجلس العسكري على الاستمرار في المرونة التي أبداها مع بداية المفاوضات.