شهادتان عن قالونيا المهجّرة: النكبة في معانيها الاجتماعية [3/2]

24 مايو 2017
الصورة
معاناة التهجير ما تزال مستمرة (فايز نور الدين/فرانس برس)

المرأة: الأرض

كانت المرأة صنوًا للأرض في قصائد الثورة الفلسطينية. تشبيه يحيل إلى رموز تستبطن معاني للحب والعطاء والديمومة. تشعر وأنت تسمع لرواية المتحدثين أن هذا الربط لم يكن مجرد مجاز؛ كان ملاحظًا أن أبو سليمان، مثلًا، ما انفكّ يشير إلى أبيه عند الحديث عن العمل، أو عند اتخاذ قرار ما حاسم، غير أن الأم كانت تحضر- دائمًا- عند الحديث عن الأرض؛ كانت أمه هي من تعمل فيها طوال النهار، وهي من تبيع محصولها أيضًا آخر الموسم. تروي أم سليمان كذلك كيف أحضرت لها أمها "منتاشة صغيرة"، وكانت تدعوها للعمل معها في الأرض، تقول: "في فابريكا جمب البلد كان اسمها فابريكت ميخل، كل رجال البلد كانو يشتغلو هناك.. خالي كان يشتغل هناك، إمي بس في الأرض".


أمها أيضًا هي من كانت تبيع المحصول في "محني يهودا" لليهود، وفي باب الخليل للعرب، لكن "اليهود كانوا يدفعون ضعف السعر"، تقول أم سليمان. كان مردود البيع وفيرًا؛ لدرجة أنه كان يسد حاجتهم طوال السنة ويزيد. المرة الوحيدة التي شاركت فيها أم سليمان بيع المحصول كانت قبل النكبة، يومها اصطحبتها أمّها معها حتى تتعلم كيف تبيع حينما تكبر.

لكن على العموم؛ ما يستشف من كلام المتحدثين هو أن يوم أبناء القرية كان حافلًا بالعمل، سواء أكانوا رجالًا أم نساء، صغارًا أم كبارًا. تكاد تغيب خلال الحديث تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، أو أي إشارات للمرح واللهو، يقول أبو سليمان إن والده كان يخبره دومًا أن الأولاد عندنا يعملون ولا يلعبون، يضيف: "كنت أنفد مرات ألعب مع هالولاد لما ما يكون أبوي موجود، أما أكثر يوم كنت أكرهه يوم السبت، أبوي يكون بالدار ونضل نشتغل لآخر النهار".


الهجرة: معنى الخوف

ما يشير إليه أبو سليمان، بشكل لا واعٍ، عند حديثه عن بيع البقرات لليهود قبل الهجرة؛ هو أنهم لم يكونوا ليبيعوا تلك البقرات الهولندية الثمينة بسعر ضئيل لولا أن ثمة شعورًا بالخوف دفعهم لذلك. هنا تحديدًا يبدأ التناقض في رواية أبو سليمان؛ فعند توجيه أسئلة مباشرة له عن الخوف، تارة يتحدّث عن أن أهل البلد "ما كانوا يحسبون حسابا لليهودي"، وتارة يتحدّث عن أنهم بنوا سياجًا استعدادًا لمواجهة العصابات الصهيونية. بشكل عام، لم يعبّر أبو سليمان بطريقة مباشرة عن الإحساس بالخوف طيلة المقابلة. كان واضحًا، على سبيل المثال، حرصه على رفع نبرة صوته عندما يتقمّص حواراته مع الأشخاص اليهود الذين كان يتعامل معهم، كدلالة على نزعة القوة والتحدي، لكن معنى الخوف كان يظهر بشكل عرضيّ في السياق، فعندما سألته عن أبو روزا مثلاً، أجاب: "أبو روزا هذا كان واحد أزعر، كان تبع عصابات يعني، وكان يخوف، الكل يخافه".

كانت طريق الهجرة في رواية أبو سليمان غائبة تماماً، يختصر الحكاية من قالونيا إلى نابلس دون أن يروي محطّات الطريق، واللافت أيضًا أن كلمة "هروب" لم ترد أبدًا في روايته، وغالباً ما استخدم مفردات: "طلعنا، ونفدنا". عكس أم سليمان التي أعطت صورة حيّة للمشهد: "هربنا أنا وخواتي، حملت اختي الصغيرة على ظهري، واختي الثانية شدت بثوبي هيك، ومشينا لأرض اسمها المزة.. وكان الطخ علينا من قبانية الطنطور زي زخ المطر". كانت أم سليمان، من هذه الناحية، أكثر عفوية، فقد رددت أكثر من مرة كلمة "هربنا"، ولم تتردّد في التعبير عن الشعور العام بالخوف في حينها، تقول: "كانوا أهل البلد يخوفو بعض.. اليهود جابو مترليوز وتومي غان (أسماء أسلحة)، ومدري أكم ألف من الهاغاناه فاتو، والله لحم أخضر بوكلونا... إمي كانت تخوفني من النكليز، يا كشلي أجونا النكليز تقلنا، بقوا لما يمرو من الشارع ع القدس، أبقى أنا جنب دارنا قريب على الشارع، أصير أرج خوف من النكليز، والفلاحات العربيات يخفن من النكليز".

لكن التناقض في رواية أم سليمان يبدأ عند الحديث عن دير ياسين، تقول: "كانوا يخوفونا بدير ياسين، يدورو يقولو بدير ياسين اغتصبو، تاريه بعدين طلع فش منه هالحكي.. دير ياسين دعاية طلعوها اليهود، معظم مناطق الساحل هاجرو من غير حرب على دعاية دير ياسين، الي عنده بنت أخذ بنته وهرب فيها". التناقض هنا لا يكمن في حبكة الرواية نفسها، بل في التداخل ما بين "التاريخي" و"التراثي" فيها. من الواضح أن نفي فكرة الاغتصاب قد تشكّلت لديها لاحقًا، تمامًا حينما بدأت تتشكل رواية مهيمنة فلسطينيًّا كانت تتكتّم على جرائم الاغتصاب، لدواعي الشرف والكرامة. لا سبيل لوصول تلك الرواية إليها، كونها كانت لا تقرأ ولا تكتب، إلا من خلال جلساتها واحتكاكها المباشر مع الناس، أي بمعنى آخر؛ من خلال الذاكرة الجمعيّة السائدة.

تمرّد للمرة الأولى

يتفق كثير من الباحثين في التاريخ الشفوي الفلسطيني أن النكبة كسرت قوالب اجتماعية وطبقية كثيرة، لكن ربّما يمكن الادعاء بأن التحولات التي أفرزها ذلك الحدث كانت أعمق بكثير من أن تؤطر وتوصف. كان ملاحظًا أنه عند الحديث عن فترة ما قبل النكبة، ظلّ أبو سليمان يشير إلى دور قيادي لوالده. كانت تتكرر في الحديث عبارة: "بتعرف إحنا كان الواحد عنا تابع أبوه". يقول أيضًا إن والده لم يكن يسمح له باللعب مع الصغار، مؤثرًا العمل على اللعب. لكن نبرة التمرد والاحتجاج على الوصاية الأبوية تبدأ بالظهور عند الحديث عن الفترة التي تلت الهجرة مباشرة، دون أن يربط أبو سليمان هذه بتلك بشكل واعٍ، يقول مثلًا: "أنا أول واحد احتجيت على ابوي وقلتلو ليش ما ضلينا في القدس على الأقل، إحنا ولاد القدس، ليش جينا على نابلس". تكرّر الأمر عندما سُرقت البقرة الوحيدة التي ظلّت من إرث البلاد. حينها وجد أبوه واحدة أخرى شبيهة لها عند أحد مربيّ الأبقار، فشكا الأمر للشرطة، وطلب من ابنه أن يشهد معه، لكنّه لم يفعل، وأصر على أن هذه البقرة ليست لهم. تلك ربّما كانت المرة الأولى التي يواجه فيها أبو سليمان والده وجهًا لوجه، السؤال الذي يطرح هنا، هل من المصادفة أن يحدث ذلك بعد النكبة؟

تعليق: