شهادات ناجين... أساليب التعذيب في سجون النظام السوري

شهادات ناجين... أساليب التعذيب في سجون النظام السوري

31 يوليو 2018
الصورة
معتقل سابق نجا من الموت (عمر حاج قدور/فرانس برس)
+ الخط -
تعرض "العربي الجديد" قصصاً وشهادات لمعتقلين سابقين في سجون النظام السوري، يقصّون فيها بعضاً مما يحدث هناك، ويتحدثون عن أشخاص قضوا بعد ضربهم حتى الموت وآخرين فتك بهم الجوع، وغيرها من المآسي

"كنا نتمنى الموت ونطلبه كلّ لحظة"، هذا ما يؤكده ابن مدينة خان شيخون في إدلب، شمال سورية، معتصم عبد الساتر، لـ"العربي الجديد" وهو يتحدث عن فترة اعتقاله وتنقله بين عدة معتقلات وسجون تتبع لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. يضيف: "رأينا مشاهد قد تصيب حتى من يسمع بها فحسب بالرعب. قصتي بدأت عند اقتيادي مع آخرين إلى فرع الأمن العسكري بدمشق. دخلنا إلى غرفة التحقيق أولاً وطلبوا منا الاعتراف بجرائم لم نفعلها، فرفضت الاعتراف، وكنت مصراً على أنّي أقول الحقيقة، فأخذوني إلى قبو تحت الأرض، مغمض العينين بقطعة قماش. أول ما فعلوه بنا تعريتنا تماماً. ثم بدأوا في ضربنا بأنابيب المياه البلاستيكية الخضراء، في أيّ مكان من أجسادنا. كنا نُضرَب يومياً طوال ساعات حتى فقدنا الإحساس من شدة الضرب، وهنا بدأت المعاناة، فقد مات شخص تجاوز الخمسين، مثلي، من شدة الضرب... جسده كان متورماً بشكل لا يصدق، وكانت لديه أضلاع مهشمة".



نصف زيتونة
يقول عبد الساتر: "بعد فترة من الاعتقال اقتادوني إلى التحقيق وأصروا على أن أعترف بالجرائم. كنت على يقين أنّ الموت ينتظر الأشخاص الستة والعشرين الذين جرى اعتقالهم معي في المكان نفسه. بقيت مصراً على أنّي لم أفعل شيئاً، فأنزلوني إلى القبو، وضربوني وصعقوني بالكهرباء، وبعدها شبحوني، أي كبّلوا يديّ وعلقوني بهما بينما جسدي متدل في الهواء. في هذا الوقت، كان يجري شبح المعتقلين يوماً أو يومين أو حتى ساعات، لكنّهم تغافلوا تماماً عني، وتركوني مشبوحاً فاقد الوعي في معظم الأحيان. وبحسب ما علمت، فقد تجاوزت شهراً كاملاً على هذه الحال أغذى بما يبقيني على قيد الحياة فحسب، فقدّر لي أن أبقى حياً، وأعود إلى المهجع لأجد أنّ عدد الموتى تحت التعذيب أصبح أربعة أشخاص، من بينهم شخص كانت جثته لا تزال في المهجع، ولا شيء لدينا لنغطيها به. أما السجانون فلا يجيبون على صراخنا بإخراجه. كنا ننام والجثة بيننا، حتى جرى إخراجها بعد أيام".




يتابع عبد الساتر شهادته: "في هذه الفترة، ومن شدة التعذيب والجوع والقذارة التي نعيش فيها، إذ إنّ المراحيض تقع في المكان نفسه الذي ننام فيه، تفشى الجرب بيننا. كنا نحلم بالمياه النظيفة، لكنّها بالفعل بقيت حلماً، فقد كنا نشرب من صنبور المرحاض عندما يقرر السجانون فتحه لنا، إذ عشنا أياماً بلا ماء. أثّر كلّ ذلك فينا، فكنا نتشاور بين بعضنا البعض أنّ الانتحار هو السبيل الوحيد للنجاة. وقد طلبت من أحد المعتقلين أن يخنقني بينما أخنقه، لكنّنا فشلنا إذ لم نقوَ على القتل. كانت هناك طريقة أخرى للانتحار من خلال ضرب رؤوسنا بجدران السجن، لكنّ الدماء كانت تسيل منا ويغمى علينا لنعود بعدها إلى وعينا، بلا فائدة". يضيف لـ"العربي الجديد": "من أكثر المشاهد وحشية طلبهم من أحد الشبان ونحن عراة ضرب رجل مريض، بادئ الأمر رفض، فانهالوا عليه بالضرب فوقع أرضاً وركلوه، ثم أمروه مرة أخرى بضربه ففعل، وبعدها بدأوا بضرب الاثنين معاً، وبعد ساعات كان الرجل المريض قد فقد بصره تماماً، ولم يعد قادراً على المشي، فلم يتحمل المشي ووقع بيننا في الممر، فظنّه السجانون يمثّل عليهم، وكان أحدهم يصرخ به: تحرك يا حيوان تحرك... لكنّه لم يجب، فقلبوه وتأكدوا أنّه مات. كانوا يفرحون عند موت أحدنا داخل القبو".

يقول عبد الساتر: "هناك مشهد لا يفارق ذهني مطلقاً، وهو كيف كنا نقسم حبات من الزيتون بيننا لتكفينا، فقد كنا نضعها على الأرض، ونبتعد قليلاً ثم نقارن بينها إن كان هناك اختلاف في أحجامها لنتقاسمها بالتساوي بيننا. كان الواحد منا يحصل في أيام الرخاء على نصف حبة زيتون. عندما نقلونا إلى أحد السجون بدمشق، وأدخلونا إلى المهجع، انتابتني حالة فرحة كبيرة، إذ كان هناك ضوء أصفر يتخلل المهجع المظلم، فذهبت فوراً للجلوس مقابل هذا الضوء، وبقيت على هذه الحال أكثر من ثلاث ساعات، لكنّ الضوء لم ينحرف أبدا كما يحدث للشمس، وهنا علمت أنه ضوء إنارة المهجع الذي لا ينطفئ، والذي يهدف إلى منعنا من النوم".
يختم عبد الساتر شهادته: "أخرجوني من سجن صيدنايا على النقالة بعد ثلاثة أعوام من تنقلي بين المعتقلات، وكان وزني حينها 26 كيلوغراماً، وكنت أقرب إلى الموت من الحياة. قضى 14 شخصاً تحت التعذيب خلال فترة سجني، أما بقية من كانوا معي في البداية، فلا أعرف عنهم شيئاً، وأظن أنّهم ماتوا أيضاً لأنّ خروجي حياً كان غريباً كفاية".



حقنة هواء
عن تجربة اعتقاله، يوضح الباحث في "مركز عمران للدراسات" ساشا العلو، في شهادته لـ"العربي الجديد"، أنّها تجربة مريرة ومؤلمة، فقد اعتقل في فرع المنطقة المعروف بالفرع 227 في نهاية عام 2013 ليفرج عنه عام 2014. يقول: "كنا نسمع عن سخرة الطعام في السجون، فهناك عمل للمعتقلين بتقديم الطعام لغيرهم بشكل دوري، لكن كان هناك نوع آخر من السخرة هي سخرة الموت، إذ كان علينا أن ننقل جثث المقتولين تحت التعذيب إلى ساحة خارج السجن كلما مات أحدنا، فكنا نضع الجثة على بطانية ونمسكها من الزوايا الأربع وننقلها إلى الساحة لتأتي سيارة وتنقل الجثث إلى مكان لا نعرفه. أسباب الموت كانت كثيرة، منها التعذيب، فبعض الأشخاص لا يحتملون الضرب الشديد، ومنهم من يموت مباشرة، وبعضهم يعيش لأيام يعاني من مضاعفات التعذيب الذي كان يجري باستخدام الكرسي الألماني (ينام الضحية على بطنه ويوضع كرسي في ظهره، قوائمه تحيط بجسد الضحية وعموداه العلويين تحت إبطيه، ليُشدّ إلى الخلف) فيصاب الضحية بتمزق الأحشاء الذي يتسبب بانتشار الفيروسات في جسده ويؤدي إلى وفاته بعد فترة".

يضيف العلو: "بالنسبة إلى من يعانون من أمراض مزمنة كان الكثيرون منهم يموتون لعدم تحملهم الوضع المأساوي داخل المعتقل. أذكر أنّ فتى في الرابعة عشرة كان مصاباً بالسكري، وحصلت معه نوبة شديدة بعدما تعرض للتعذيب وكان من دون طعام، فأعطاه طبيب حقنة أنسولين ليموت على الفور بسبب التدني الشديد في نسبة السكر في دمه، فشتمنا الطبيب وأهاننا وقال: لماذا لم تخبرونا أنّه بلا طعام... مع أنّه كان يعلم ذلك".




عن أكثر المشاهد رعباً، يقول العلو: "كانت الجثث تملأ حمامات السجن، إذ يتكدس بعضها فوق بعض. كنا نضعها هناك لعدم توفر مساحة في المهجع الذي لا يكفينا كي ننام حتى، وفي السجن كان هناك صراع حقيقي من أجل البقاء يمنع علاج المصابين بالصدمة خصوصاً من يدخلون حديثاً ويشاهدون هذا المنظر. يهذي هؤلاء ويتحدثون مع أنفسهم، فلا يبقى من علاج لهم غير تأمين مكان ينامون فيه مع عناية ليومين أو ثلاثة، وهو أمر نادر الحدوث، إذ كان السجانون يضربونهم أكثر من غيرهم لعدم استيعابهم الأوامر، ما كان يتسبب بوفاتهم في النهاية. أذكر أنّني دخلت في هذه الحالة بعد يوم كنت فيه ضمن سخرة نقل الموتى، وبينما كنا ننقل الجثث إلى الساحة شعرت بجثمان يتنفس بينما ننقله، فلم أتمالك نفسي وأعلنت أنّي سأخبر الضابط، وبالفعل قلت له إنّ الشاب ما زال على قيد الحياة، فردّ: اتركه سيموت لاحقاً في سيارة النقل. عدت بعدها إلى المهجع ولم أكن أتخيل ما الذي حدث حينها، إذا عاد إلى وعيه تماماً. أما أنا فقد دخلت في حالة الهذيان طوال ثلاثة أيام، وهيّأ الله لي أشخاصاً كي يعتنوا بي طوال تلك الفترة، لأصحو وأعود إلى طبيعتي".

مما شاهد العلو أيضاً داخل المعتقل من أمور مرعبة وقاسية، غرفة العزل التي يقول عنها: "هذه الغرفة كان يودع فيها المرضى والمصابون. هم أشخاص شجّت رؤوسهم، وتعرضوا لجراح بليغة في أماكن من أجسادهم ومنهم من تعفنت جراحه، وآخرون مصابون بأمراض سارية ومعدية. مشهدهم في هذه الغرفة يبعث القشعريرة والخوف ما يؤدي إلى هذيان البعض". يذكر أيضاً أنّه في مرحلة من المراحل رأى جثثاً لا تحمل أيّ آثار تعذيب أو كدمات، لأشخاص كانوا قد اعتقلوا حديثاً، متسائلاً في نفسه عن كيفية قتل هؤلاء، فافترض أنّهم قتلوا بكسر أعناقهم. لكن بعد فترة من الاستفسار، اكتشف من سجناء من أصحاب السوابق ممن ليست لديهم علاقة بالثورة، وكانوا ممن شاركوا في قتل أولئك المعتقلين، أنّ "طريقة القتل كانت عبر حقنهم بحقن هواء، ما يؤدي إلى موتهم من دون ترك أي أثر للتعذيب مطلقاً، وهي طريقة إعدام لم تكن تخطر في بال أحد، وتأكدت منها بعد مطابقة عدة شهادات لأشخاص كانوا في المعتقل".



اغتصاب جماعي
من جهتها، تقول آمال (33 عاماً) من حماة، إنّ مشهد الموت بات مألوفاً لديها داخل السجن. تؤكد في شهادتها لـ"العربي الجديد" أن لا خطوط حمراً مطلقاً في التعامل مع النساء؛ من الكلام البذيء إلى الضرب المبرح، إلى قص الشعر، وصولاً إلى اغتصاب السجانين الجماعي لهن.

تضيف: "ما يثير رعبي حتى الآن هو مشهد تعذيب إحدى طالبات كلية الآداب، من درعا. كانت فتاة حسناء وخلوقة اسمها هالة. عند دخولها إلى الفرع كانت في حالة صدمة، إذ خلعوا حجابها وعرّوها من ملابسها كما هي العادة بحجة التفتيش، وهي ذريعة لإذلال النساء. بعد أيام من سجنها وضربها وإهانتها، نزل أحد عناصر الأمن إلى الزنزانة، وكان يفتخر أنّه من بلدة القبو في ريف حمص الشمالي ويردد دائماً عبارة بشار الأسد هو ربكم". تقول آمال إنّه كان يبحث عن الفتيات الجميلات ليمضي مع بقية العناصر السهرة معهن، ووقع اختياره على هالة، فاقتادها من شعرها وكان يحمل السيجارة بيده ويقول لها "هذه ليلة عمرك وستكونين بضيافتي".




تتابع القصة: "بعد ساعات، وكانت الساعة قد اقتربت من الرابعة فجراً، نزلوا وهم سكارى ففتحوا باب السجن ورموها وهم يضحكون ويشتمونها. كانت الفتاة بكراً وهي في العشرين من عمرها، ملطخة بالدم، وتنزف، وغير قادرة على المشي مطلقاً. لم يكن لدينا ما نوقف به نزيفها، ولم نتمكن من انتشالها من حالة الصدمة، وكلّ صراخنا وطرقنا على باب الزنزانة لم يجدِ نفعاً إذ فارقت الحياة بعد ساعتين تقريباً. وعندما جاؤوا لنقل جثتها، سخر بعضهم وقال: كانت جميلة. وصرخوا بنا أن نحملها ريثما يأتي العناصر لنقلها إلى الخارج، وقال أحدهم لنا: لا تخفن، السهرة في الأسبوع المقبل، وعليكن أن تكنّ قويات كي لا تمتن، كما ماتت هالة". تختم آمال: "ببرود، كانوا يتكلمون، كأنّنا مجموعة من الأثاث أو الجدران أو الحيوانات. هؤلاء الأشخاص مجردون من الأحاسيس، ولا يحملون في قلوبهم الرحمة أو الشفقة... القتل هو الشيء الوحيد الذي يجيدونه".