شهادات المساءلة تفضح ترامب: الديمقراطيون أمام معضلة الحسم

22 نوفمبر 2019
الصورة
أدلى 16 شاهداً بإفاداتهم منذ 4 نوفمبر (مايكل بوشستين/Getty)
+ الخط -
فيما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتهكم على تحقيق العزل الذي يقوده الحزب الديمقراطي الأميركي ضد الرئيس دونالد ترامب، شاكراً الله أن الاتهامات بالتدخل الأجنبي في الانتخابات الرئاسية الأميركية، تحولت من بلاده إلى أوكرانيا، انتهى اليوم الأخير من جلسات الاستماع الماراثونية التي قادها مجلس النواب في الكونغرس، والتي استمرت أسبوعين، وشملت 16 شخصاً أدلوا بشهاداتهم، بالعودة إلى نقطة الصفر التي انطلقت منها المعارك السياسية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري بعد فوز ترامب: التحذير من الخطر الروسي، واستفادة "الأعداء" من الفوضى الأميركية.
وللمرة الأولى، وضعت شهادة لمستشارة سابقة في البيت الأبيض، هي فيونا هيل، التحقيق في فضيحة أوكرانيا في إطار أوسع من مسألة عزل الرئيس، محذرة من أن الانقسام والصراع الحزبي في الولايات المتحدة يشكل خطراً أمنياً متصاعداً تعمل روسيا، من بين "خصوم" عدة للبلاد، على استغلاله.

في المقابل، وفي مواجهة كمٍّ هائل من الشهادات التي تكمن أهميتها بأنها جاءت من قبل موظفين رفيعين عملوا داخل إدارة ترامب، تمسك الجمهوريون بموقفهم الداعم للرئيس، مركزين على فرضية تُروج لها دائرته، وهي أن كييف تدخلت لصالح المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في انتخابات 2016، بالقدر الذي تدخلت فيه موسكو لصالح ترامب.

هذه المعركة، التي ينتظر أن تُحسم نهاية العام الحالي، بأرجحية انطلاق الحزب الديمقراطي، الموحد حول التحقيق، إلى مرحلة صياغة طلب العزل، أو انتظار شهود آخرين بدت عملية استدعائهم إلى الكونغرس أكثر صعوبة، لا يزال ترامب من جهته، يواجهها داخلياً بفضل التوحد الجمهوري حوله، واستمرار تظهير نفسه بصورة الضحية، محاولاً كذلك المضي في معركته الانتخابية عبر توسيع قاعدة دعمه، مقترباً من جماعة "سيليكون فالي"، وملتقياً عدداً من وجوهها الرئيسية، مع ثباته على إرضاء قاعدته الإنجيلية. وفي ما خصّ التحقيق، طالب ترامب، أول من أمس الخميس، بأن تمضي محاكمة المساءلة قدماً في مجلس الشيوخ، الذي يهيمن عليه الجمهوريون، متوقعاً أن يجري هناك سماع شهادات لمن يتهمهم بـ"الفساد"، وهم خصومه الرئيسيون، أمثال المرشح الديمقراطي جو بايدن، وابنه هانتر، والمخبر الذي كان أول من سلط الضوء على فضيحة أوكرانيا، ورئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، آدم شيف.


وبعد أسبوعين من جلسات الاستماع العلنية في تحقيق مجلس النواب، تجمعت لدى الديمقراطيين حتى الآن دلائل غير قابلة للنقاش: ترامب أمر موظفين في إدارته بالعمل مع محاميه الشخصي رودي جولياني حول مسائل تتعلق بأوكرانيا، وهو بلدٌ يعتمد بشكل كبير على المساعدات الأميركية لصدّ تعديات روسيا. وضغط الرئيس على كييف لإطلاق تحقيقات بالفساد تتعلق بهانتر بايدن، ابن خصمه في "الرئاسيات" المقبلة جو بايدن. ومما أصبح مؤكداً أن المسؤولين في كلا البلدين، الولايات المتحدة وأوكرانيا، كانوا يخشون أن يعمد ترامب إلى تجميد المساعدات العسكرية، حتى تُطلق كييف التحقيق الذي طلبه منها. هذه الوقائع، أكدها أكثر من عشرة شهود، معظمهم مسؤولون في الحكومة، عملوا تحت الإدارتين الديمقراطية والجمهورية، واستندوا في شهاداتهم إلى رسائل إلكترونية ومكالمات هاتفية وملاحظات جمعوها خلال العامين الماضيين. وعبر جمعها، رسمت هذه الشهادات التي جاءت بمعظمها علنية، صورة عن رئيسٍ مستعد لاستغلال منصبه للضغط على حكومة أجنبية من أجل مصلحته السياسية الشخصية، وهي وحدها، توشك أن تدفع الديمقراطيين للتصويت على عزل ترامب قبل نهاية 2019، مع احتمال الدفع لمحاكمةٍ في مجلس الشيوخ. على الرغم من ذلك، لا تزال هذه الشهادات تقدم حبل نجاة لترامب، ويتلخص في أن أياً من الشهود لم يتمكن من التأكيد أن ترامب اشترط بشكل مباشر إطلاق المساعدات لكييف بإعلان الأخيرة بدءها التحقيق بقضية هانتر بايدن، فيما يقول الجمهوريون إنه حتى لو تمّ تأكيد ذلك، فلن يكون كافياً للحصول على دعمهم لعزل ترامب، ما يجعل الديمقراطيين أمام تصويت للعزل منقسم وفق الخطوط الحزبية، وهو ما يعكس كذلك الانقسام الشعبي.

ويبقى على الديمقراطيين اليوم أن يبحثوا بشأن ما إذا كانوا سيبدأون بصياغة مواد العزل بناءً على ما تمّ كشفه إلى الآن، أو المراهنة على موجة جديدة من الشهادات، بإمكانها أن توفر أدلة أكثر مباشرة لإدانة الرئيس، مع وجود لائحةٍ من الشهود المحتملين الذين بإمكانهم ملء الفراغات التي يحتاجها الحزب الديمقراطي، وأبرزهم مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، وكبير موظفي البيت الأبيض بالوكالة مايك مولفاني. وقالت الشاهدة فيونا هيل، أول من أمس، إن "هؤلاء الذين يملكون أدلة يراها الكونغرس ضرورية، عليهم مسؤولية أخلاقية وقانونية لتقديمها". ولكن حتى الآن، يبدو أن بولتون ومولفاني غير راغبين بالظهور أمام مجلس النواب، وقد توجها إلى القضاء لتحديد ما إذا كان عليهما فعل ذلك. من جهتها، كانت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي واضحة، الخميس، بالقول إنها لا ترغب في أن يكون التحقيق "تحت رحمة القضاء".

يذكر أنه من بين أبرز من أدلوا بشهاداتهم ويليام تايلور، كبير الدبلوماسيين الأميركيين في كييف، الذي افتتح جلسات الاستماع مؤكداً أن المساعدات العسكرية لأوكرانيا تعتبر مسألة حياة أو موت لهذا البلد، وأنه كان منزعجاً جداً من احتمال أن يتخلى ترامب عن الشريك الأوكراني. كما أدلى الكولونيل ألكسندر فيندمان بشهادته، وهو مستشار للبيت الأبيض حول أوكرانيا، والذي قال إنه أصيب بالصدمة لدى سماعه ترامب يطلب من رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي التحقيق حول ابن بايدن، وكذلك سفير الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي غوردون سوندلاند، الذي أكد أن أفعال ترامب ترقى إلى حدّ المقايضة. وقال المسؤول الكبير في وزارة الخارجية، جورج كنت، إن محامي ترامب جولياني، قاد حملة مليئة بالأكاذيب والمعلومات الخاطئة ضد ماري يوفانوفيتش، السفيرة السابقة لدى أوكرانيا، التي أزاحها ترامب، والتي قدمت شهادتها كذلك أمام مجلس النواب. وأول من أمس، قال المستشار في السفارة الأميركية بأوكرانيا ديفيد هولمز، إنه كان "متأكداً من أن المطلوب من الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي من قبل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هو إعلان متلفز بفتح تحقيق بشأن نائب الرئيس السابق جو بايدن ونجله".

وقالت بيلوسي، أمس الأول، إن هناك أدلة واضحة على أن ترامب استغل منصبه من أجل تحقيق مكاسب شخصية وأضر بالأمن القومي، مؤكدة مجدداً أن الأمر يرجع للجنة الاستخبارات بمجلس النواب لتحديد كيفية المضي قدماً في التحقيق، مضيفة أنه لم يتخذ بعد قرار بشأن المساءلة. من جهته، رأى النائب الديمقراطي آدم شيف، الذي يرأس لجنة التحقيق الرامي إلى العزل، أنّ الوقائع المنسوبة إلى ترامب "أخطر بكثير" ممّا فعله الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، الذي استقال في العام 1974 لتجنّب إجراءات عزل أكيدة على خلفيّة فضيحة "ووترغيت".

إلى ذلك، وقّع الرئيس الأميركي، الخميس، على مشروع توافقيّ موقّت للإنفاق الفدراليّ يستمر حتّى 20 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، بهدف تجنّب شلل المؤسّسات الأميركيّة، أو ما يُعرف بـ"الإغلاق الحكومي". وعلى الرّغم من أشهر من المفاوضات، فشل الديمقراطيون والجمهوريّون في الاتّفاق على ميزانيّة طويلة الأجل، بسبب خلافات تتعلّق خصوصاً بتمويل الجدار على الحدود مع المكسيك. وفي ظلّ الانقسام الحاصل من جرّاء تحقيق العزل، يشعر النوّاب بالقلق حيال قدرتهم على التوصّل إلى اتّفاق ميزانيّة طويل الأجل بحلول التاريخ المحدد.

 

 

المساهمون